و لم ينكر ذلك عليه [1] .
وقد مرّ معنا أن الإبراء نوع من الإسقاط، إلا أنه يختلف عنه في أن الإسقاط متمحّض لسقوط ما يقع عليه اتفاقا، في حين أن الإبراء قد اختلف الفقهاء في حقيقة أمره، هل هو للإسقاط، أو للتمليك؟
والمستفاد من كلام الفقهاء اشتمال الإبراء على كلا المعنيين: الإسقاط والتمليك، وفي كل مسألة تكون الغلبة لأحدهما، وإن كان في بعض الصور يتعين أحد المعنيين تبعًا للموضوع؛ كالإبراء عن الأعيان، فهو للتمليك؛ لأن الأعيان لا تقبل الإسقاط. أما في الديون الثابتة في الذمة: فيجري فيه معنى الإسقاط والتمليك [2] .
ومن ذلك ما حكاه بعض الفقهاء من أن الإبراء عن الدين فيه معنى التمليك ومعنى الإسقاط [3] .
ومما غلب فيه معنى التمليك عند المالكية ترجيحهم اشتراط القبول في الإبراء [4] .
وقد وضح النووي في"الروضة"أن كون الإبراء تمليكا أو إسقاطا من المسائل التي لا يطلق فيها ترجيح، بل يختلف الراجح بحسب المسائل؛ لقوة الدليل وضعفه؛ لأن الإبراء إنما يكون تمليكا باعتبار أن الدين مال، وهو إنما يكون مالًا في حق من له الدين، فإن أحكام المالية إنما تظهر في حقه [5] .
ومثل بعض الحنابلة لما غلب فيه معنى الإسقاط بأنه لو حلف لا يهبه، فأبرأه؛ لم يحنث؛ لأنّ الهبة تمليك عين، وهذا إسقاط، وأنه لا يجزئ الإبراء عن الزكاة، لانتفاء حقيقة الملك [6] .
على أن هناك ما يصلح بالاعتبارين -الإسقاط والتمليك- بالتساوي، ومنه ما بينه بعض الفقهاء من أنه لو أبرأ الوارثُ مدينَ مورِّثه وهو غير عالم بموته، ثم بان له موت المورِّث؛ فبالنظر إلى كونه إسقاطا يصح، وكذلك بالنظر إلى كونه تمليكا؛ لأن الوارث لو باع عينا قبل العلم
(1) ينظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/ 411، مغني المحتاج 2/ 201، 241، الفروع 4/ 145، الإنصاف 7/ 130.
(2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1/ 149.
(3) ينظر: مغني المحتاج 2/ 203.
(4) ينظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/ 310، 4/ 99.
(5) ينظر: روضة الطالبين 4/ 250، 8/ 223 ومغني المحتاج 2/ 202.
(6) ينظر: الفروع 5/ 210.