الصفحة 49 من 56

المبحث العاشر

في الخلاف في أثر الإبراء

وأثره في صحة حساب الأجرة من الزكاة

الناظر في التصرفات يجد أنها على أقسام ثلاثة:

منها ما يظهر أثره ويترتب عليه الحكم بمجرد تمام الصيغة، ولا يقبل إرجاء حكمه إلى زمن آخر؛ كالزواج والبيع.

ومن التصرفات ما تكون طبيعته تمنع ظهور أثره إلا في زمن مستقبل؛ كالوصية.

ومن التصرفات ما يقع حكمه منجزًا؛ كالطلاق تنتهي به الزوجية في الحال، ويصح أن يضاف إلى زمن مستقبل لا تنتهي الزوجية إلا عند حصوله عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو منجّزٌ عند المالكية ولو أضافه إلى المستقبل.

ومما ذكره الفقهاء من الإسقاطات التي لا تقبل الإضافة إلى زمن مستقبل: الإبراء من الدين، مع أن الحكم الغالب في الإسقاطات التي ليس فيها معنى التمليك أنها تقبل الإضافة إلى الزمن المستقبل في الجملة، ولكل مذهب تفصيل في كل نوع من أنواع التصرفات [1] .

هذا في جانب الإسقاط، فأما الذي يتعلق بالإبراء: فإنه لا يتحقق أثر الإبراء في الدين أو الحق إلا إذا وُجِد سبب الاستحقاق فيه قبل وجود الإبراء؛ لأن الأصل في الإبراءِ التنجيزُ، والإبراءُ لا يشمل ما بعد تاريخه من دين أو حقوق، وإنما يقتصر على ما قبله، فلا تسمع دعوى المبرئ بعد إبرائه العام بشيء سابق لتاريخه؛ للاتفاق على اشتراط وجود سبب الاستحقاق لصحّة الإبراء، ما لم يُعلِّق الإبراء على شرط ملائم، أو كائن بالفعل [2] ، بأن يقول له:"إن كان لي عليك دين، أو إن متّ؛ فأنت بريء"فهذا جائز اتفاقًا؛ بدليل أن أبا اليسر كعب بن عمرو الصحابي رضي الله عنه قال لغريمه:"إن وجدت قضاءً فاقض، وإلاّ فأنت في حلٍّ" [3] ،

(1) ينظر: شرح فتح القدير 4/ 236، 409، الأشباه والنظائر للسيوطي 490، كشاف القناع 3/ 318، شرح منتهى الإرادات 2/ 433.

(2) كالموت؛ لكونه وصية بالإبراء. فإن كان الشرط في الإبراء غير ما ذُكر؛ فالجمهور على منعه، خلافا للمالكية.

ينظر: بدائع الصنائع 6/ 45، 50، شرح فتع القدير 4/ 236، 409، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 99، الأشباه والنظائر للسيوطي 189، حاشية قليوبي 3/ 310، الفروع 4/ 145.

(3) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، بلفظه، (7512) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت