الصفحة 47 من 56

المبحث التاسع

في موضوع الإبراء

الإبراء من حيث موضوعه قد يكون دينا في الذمة، أو عينا -أي: مالًا معينًا-، أو حقا من الحقوق التي تقبل الإسقاط.

أولا: الإبراء عن الدين:

وقد اتفق الفقهاء على أن الديون الثابتة في الذمم يجري فيها الإبراء؛ لأنه نوع من الإحسان، وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على استحباب الإبراء؛ لتضمنه إسقاط الحق عن المعسر الذي يثقل الدين كاهله، أو حتى الذي لا يعسر عليه الوفاء؛ فإنه مما يزيد المودة بين الدائن والمدين، فلا يخلو عن معنى البر والصلة، وذلك مما يدخل تحت عموم قول الله تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة، (280) ] ، وعموم حديث كعب بن مالك رضي الله عنه حين أعسر مدينه [1] ، وثبت حث الشريعة الدائنين على إسقاط كل الدين أو بعضه عنهم.

ثانيًا: الإبراء عن العين:

إذا ورد الكلام على الإبراء عن العين نفسها بمعنى الإسقاط، وحملناه على ظاهره؛ فإسقاط العين لا يصح اتفاقا، لأن الأعيان لا تقبل الإسقاط، فلا توصف بالبراءة. فإذا أطلق هذا التعبير، فالمراد به الإبراء عن عهدتها أو دعواها والمطالبة بها، وهو الذي نتكلم عنه في الإبراء في الدين، أو الحقوق.

ثالثا: الإبراء عن الحقوق:

الإبراء عن الحقوق الخالصة للعبد، كالكفالة والحوالة؛ صحيح بالاتفاق بين الفقهاء.

أما الحقوق الخالصة لله عز وجل، كحد الزّنى: فلا يصحّ الإبراء عنها، والحكم كذلك في

(1) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، (2418) ،

ورواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، (3984) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت