الحنفية والشافعية والحنابلة على عدم صحة الإبراء قبل الوجوب وإن انعقد السبب، مستدلين بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل مِلك) [1] ، والإبراء في معناهما، وما لم يجب ساقط أصلا؛ فلا معنى لإسقاطه [2] .
أما المالكية: فقد اختلفوا في الاكتفاء بوجود السبب، وهو التصرف أو الواقعة التي ينشأ بها الحق المبرأ منه ولو لم يجب الحق بعد، وقد توسع في ذلك الحطاب في كتابه"الالتزامات"، فعقد فصلا لإسقاط الحق قبل وجوبه، وتعرّض للمسائل المشهورة، وكرر الإشارة للخلاف، واستظهر الاكتفاء بالسبب، ومما قال:"إذا أبرأت الزوجة زوجها من الصداق في نكاح التفويض قبل البناء وقبل أن يَفْرِض لها؛ فقال ابن شاس وابن الحاحب: يتخرّج ذلك على الإبراء مما جرى سبب وجوبه قبل حصول الوجوب ..."، ثم قال:"فهو إسقاط للحق قبل وجوبه بعد سببه". وأشار بعدها الحطاب إلى مسألة إسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل فقال:"في لزوم ذلك قولان: هل يلزمها؛ لأن سبب وجوبها قد وجد، أو لا يلزمها؛ لأنها لم تجب بعد؟ قولان حكاهما ابن راشد القفصي"، ثم قال في آخر المسألة:"والذي تحصّل من هذا: أن المرأة إذا أسقطت عن زوجها نفقة المستقبل؛ لزمها ذلك على القول الراجح" [3] .
(1) رواه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح، بنحوه، (2184، 2186) ،
ورواه الترمذي في جامعه، كتاب الطلاق، باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح، بنحوه، (1181) ، وقال: حسن صحيح،
ورواه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح، بلفظه، (2048 - 2049) ، وحسن البوصيري إسناده، وحكم ابن حجر في التلخيص الحبير 3/ 210 بتحسين إسناد ابن ماجه أيضًا.
(2) ينظر: حاشية ابن عابدين 3/ 444، 5/ 624، شرح فتح القدير 4/ 236، 409، المنثور في القواعد 1/ 83 - 84، 86، الأشباه والنظائر للسيوطي 490، حاشية قليوبي 2/ 211، 3/ 282، حواشي الشرواني 7/ 397، الفروع 4/ 195، كشاف القناع 3/ 318، 4/ 305، 5/ 285، شرح منتهى الإرادات 2/ 340.
(3) نقلا عن الموسوعة الفقهية الكويتية 1/ 159.