وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في المنافع أنها تقبل الإسقاط بإسقاط مالك العين المنتفع بها أو مستحق منفعتها بلا عوض؛ إذ كل جائز التصرف لا يمنع من إسقاط حقه، ما لم يكن هناك مانع من ذلك [1] . وصور ذلك كثيرة، ومن الأمثلة عليه ما يلي:
1 -من أوصى لرجل بسكنى داره، فمات الموصي، وباع الوارث الدّار، ورضي به الموصى له؛ جاز البيع، وبطلت سُكنى الموصى له [2] .
2 -من وصّى بعين دار لزيد، وبالمنفعة لعمرو، فأسقط الموصى له بالمنفعة حقّه، سقط بالإسقاط [3] .
3 -أماكن الجلوس في المساجد والأسواق والمدارس؛ يجوز إسقاط الحق فيها، كما يجوز نقل الحق فيها بغير عوض باعتبار أن الحق فيها لازم لمن سبق إلى المكان [4] .
أما إسقاط المنافع بعوض: فإنه يرجع إلى قاعدة التفريق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، والأصل أن من ملك المنفعة؛ ملك المعاوضة عليها، ومن ملك الانتفاع بنفسه؛ فليس له المعاوضة عليها [5] .
ويرجع سبب الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في طبيعة حق الانتفاع، هل هو مِلك أو إباحة؛ فكلٌ مِن ملك المنفعة وحق الانتفاع عند الحنفية هو من قبيل المِلك، وهو أثر من آثار الحيازة، فيحق لصاحبه التصرف في الشيء ما لم يمنع منه مانع. والجمهور اعتبروا حق الانتفاع من قبيل الإباحة، مما لا يبيح للمنتفع إلا أن ينتفع بنفسه، وفق الإذن الصادر له [6] .
وعلى ذلك: فكل من ملك المنفعة، سواء أكان مالكا للرقبة، أم مالكا للمنفعة دون الرّقبة؛ فإنه يجوز له إسقاط حقّه في المنفعة والاعتياض عنها عند الجمهور. أما عند الحنفية: فالاعتياض عن المنافع لا يجوز إلا لمالك الرقبة والمنفعة، أو لمالك المنفعة بعوض، والمنافع ليست بأموال عندهم، وكذلك لا يجوز عندهم إفراد حقوق الارتفاق بعقد معاوضةٍ على الأصح، وإنما
(1) كما لو تعين الحاضن؛ لم يجز له إسقاط حقه في الحضانة عند الجمهور -خلافا لمعتمد المالكية-؛ لتعلق حق الصغير به.
ينظر: بدائع الصنائع 7/ 227، المنثور في القواعد 3/ 393، قواعد ابن رجب/223، 224، شرح منتهى الإرادات 3/ 250.
(2) ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم 316.
(3) ينظر: حاشية قليوبي 2/ 312، المنثور في القواعد 2/ 55، 3/ 394.
(4) ينظر. الذخيرة 1/ 160، مواهب الجليل 5/ 423، المنثور في القواعد 3/ 394، قواعد ابن رجب 223، 226، 228.
(5) ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم 351، الفروق للقرافي 1/ 187، مغني المحتاج 2/ 264، قواعد ابن رجب 223 - 224، 225.
(6) ينظر: أبحاث المؤتمر الفقهي الثاني للمؤسسات المالية الإسلامية، بحث: الاعتياض عن حق الانتفاع وتطبيقاته المعاصرة 52 - 53.