الصفحة 41 من 56

المبحث الثامن

في أركان الإسقاط والإبراء، وشروطهما

ذكر الفقهاء أن الإسقاط له ركن واحد عند الحنفية هو: الصيغة، ويتكون من إيجاب وقبول.

أما الإيجاب: فيدلّ عليه قول، أو ما يؤدّي معنى القول من إشارةٍ مفهمةٍ أو كتابة أو فعل. وألفاظه كثيرة نحو الترك والحطّ والعفو والوضع والإبراء في براءة الإسقاط والإبطال والإحلال، بما يدل على ذلك من العرف ودلالة الحال، ولذلك جعلوا من الألفاظ التي تدل عليه: الهبة والصّدقة والعطية حين لا يراد بهذه الألفاظ حقيقتها وهي التمليك، ويكون المقام دالا على الإسقاط [1] .

وأما القبول: فالأصل في الإسقاط أن يتم بإرادة المسقِط وحده، لأنه جائز التصرف في حقّه، فلا يمنع من إسقاط حقّه، ما دام لم يمس حقا لغيره.

لذلك نجد الفقهاء يتفقون على أن الإسقاط المحض الذي ليس فيه معنى التمليك، والذي لم يقابل بعوض؛ لا يحتاج إلى قبول؛ كالطلاق [2] .

كما وأنهم يتفقون على أن الإسقاط الذي يقابل بعوض يتوقف نفاذه على قبول الطرف الآخر في الجملة، كالطلاق على مال؛ لأن الإسقاط حينئذ يكون معاوضة، فيتوقف ثبوت الحكم فيه على قبول دفع العوض من الطرف الآخر؛ إذ المعاوضة لا تتم إلا برضى الطرفين [3] .

ويبقى بعد ذلك الإسقاط الذي فيه معنى التمليك؛ كإبراء المدين من الدين، وهو الذي اختلف فيه الفقهاء على أساس ما فيه من جانبي الإسقاط والتمليك. فالحنفية، وأشهب من المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة؛ نظروا إلى جانب الإسقاط فيه، فلا يحتاج عندهم إلى القبول لسببين [4] :

(1) ينظر: بدائع الصنائع 7/ 193، الأشباه والنظائر لابن نجيم 316 - 318، مغني المحتاج 2/ 179، شرح منتهى الإرادات 2/ 433.

(2) ينظر: شرح فتح القدير 5/ 205، 6/ 397، جواهر الإكليل 2/ 299، المنثور في القواعد 1/ 81، الأشباه والنظائر للسيوطي 189، قواعد ابن رجب 215.

(3) ينظر: شرح فتح القدير 4/ 219، جواهر الإكليل 1/ 330، المهذب 2/ 72 - 73، شرح منتهى الإرادات 3/ 58.

(4) ينظر: شرح فتح القدير 5/ 205، 6/ 397، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 99، 101، المهذب 1/ 448.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت