الصفحة 32 من 56

وأكل لأموال الناس بالباطل، ولا جَبْرَ لهذه المنافع احتقارا لها، ولا جبر لها حتى لو استُوفِيَت، واستثني من ذلك دفع مهر المثل لِمَزْنِيٍّ بها كُرهًا أو بشبهة، حيث لم يكن باختيارها، أو علمها [1] .

2 -المنفعة التي يُجِز الشارع الانتفاع بها، أو أجاز الانتفاع بها للحاجة أو للضرورة، كمنفعة كلب الصيد، أو منفعة الميتة للمضطر.

فإذا أردنا ضرب الأمثلة على المنافع المتقوِّمة؛ فبذكر أضدادها نتعرف عليها، حيث إن عدم تَقَوّم المنفعة شرعا يعني حرمتها، أو خستها، أو قلّتها وندرتها.

فالإجارة منفعة، ولابد أن تكون متقوِّمة، فإذا كانت حقيرة جدًا، كاستئجار تفاحة لشمِّها، لم تصح إجارتها؛ لعدم الانتفاع بشمِّها، بخلاف التفاح الكثير لو استُئجر للغرض نفسه [2] .

كذلك لم يجوّز الفقهاء المنفعة على فعل معصية؛ لأنها إجارة فاسدة؛ كالاستئجار على الزنا، أو على عَسْب الفحل، أو العزف على الآلات الموسيقية المحرمة، أو النوح في المآتم، أو تأليف كتاب في السحر والشعوذة، أو استئجار مسلم لعصر الخمر، أو أن يؤاجر المسلم نفسه لكنس كنيسة، أو لرعي الخنازير، أو أن يؤجر المسلم دارَه لتكون محلا للعب القمار، أو لبيع الخمر، أو لارتكاب المعاصي فيها بعلمه [3] .

فكل عمل نهى الشارع عنه، أو حرّم أخذ العوض عليه؛ كانت منفعته محرّمة شرعًا، والأصل في ذلك كله قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [سورة الائدة، آية (2) ] ، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن عسب الفحل) [4] أي: ضرابه؛ لأن مقابل الأجرة -وهو منفعة الضّراب- غير متقوِّم شرعًا، كما (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب) [5] ، و (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، و شاربَها، و حاملها،

(1) ينظر: الفروق للقرافي 1/ 215، 3/ 295، قواعد الأحكام 1/ 154 - 155.

(2) ينظر: بدائع الصنائع 4/ 192 - 193، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 20، مغني المحتاج 2/ 335، كشاف القناع 3/ 559، 561.

(3) ينظر: المبسوط 16/ 38 - 39، بدائع الصنائع 4/ 189، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 20، مواهب الجليل 5/ 423 - 424، الفروق للقرافي 4/ 4، مغني المحتاج 2/ 335 - 336، حواشي الشرواني 6/ 130 - 131، كشاف القناع 3/ 559، المحلى 9/ 3 مسألة (1286) ، 9/ 19 مسألة (1305) .

(4) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، باب عسب الفحل، بلفظه، (2284) ،

ورواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة والمزارعة، باب تحريم بيع فضل الماء ... ، بنحوه، (4005) .

(5) تقدم تخريجه في ص 7، من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت