الجمهور من كون الشارع والعُرف قد حكما للمنافع بالمالية والتقوّم، وأقرّا بالتزام البدل في مقابل الانتفاع، وهما لا شك أقوى في مقابلة القياس والمعقول -والله أعلم-.
يقول الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله- مجيبًا على قول الحنفية [1] :"ومن الواضح أن نظرية الاجتهاد الشافعي والحنبلي في إلحاق المنافع بالأعيان في المالية والتقوّم الذاتي هي أحكم وأمتن وأجرى مع حكمة التشريع، ومصلحة التطبيق، وصيانة الحقوق من نظرية فقهائنا في الاجتهاد الحنفي" [2] .
ثم إن اعتبار المنافع أموالًاَ يتفق مع مقصد الشرع بحفظ المال والحق لصاحبه؛ إذ في عدم اعتبار المنافع أموالًا ضياع لكثير من مصالح الناس، وهذا ما لا يقبله الشرع، حيث ظهرت في عصورنا المتأخرة شركات كثيرة قائمة على أساس المنافع؛ كالفنادق وشركات الطيران.
كما يتفق اعتبار المنافع أموالًا مع عُرف الناس بما لا يخالف الشرع في معاملاتهم في كل زمان، والعُرفُ دليل شرعي معتبر.
وبناء على ترجيح القول بإثبات المالية للمنافع في نفسها باعتبار تَمَوُّل الناسِ لها، بغض النظر عن أعيانها التي تَقُوْم بها؛ فلابد من تأكيد القول بأن ذلك مقصور على المنفعة التي لها قيمة شرعًا، أو التي أباح الشارع الانتفاع بها في حال السعة والاختيار. وهذا تخريج على ما سبق بيانه من تقسيم للمال إلى متقوِّم وغير متقوِّم عند الحنفية، أو هو على اصطلاح الجمهور بإثبات المالية للمنافع.
وبناءً عليه: لا يدخل في المنفعة المقررة شرعا بعض الأمور:
1 -المنفعة التي لم يُجِز الشارع الانتفاعَ بها؛ كمنفعة الملاهي، وأدوات المعازف، والفروج المحرَّمة، ومنفعةِ مقدماتها من تقبيل ولمس وضم محرم، فهي منافع غير محترمة شرعًا، ولا يجوز بذل المال فيها، بل بذل المال فيها سفهٌ وتبذير محرَّم،
(1) مع أنه حنفي المذهب كما يُعلم.
(2) المدخل الفقهي العام 3/ 208.