مهرًا يجري الاعتياض عليه في عقد النكاح في قصة عمل موسى عند شعيب عليهما الصلاة والسلام مدة عشرة سنين، وهذا العمل من قبيل المنفعة، وهو ما حكاه الله تعالى في قوله على لسان شعيب صلى الله عليه وسلم: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) [سورة القصص، آية (27) ] ، مع أن الأصل في المهر أن يكون مالًا؛ كما جاء في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) [سورة النساء، آية (24) ] .
3 -أن الله تعالى يقول: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [سورة الطلاق، آية (6) ] ، فقد أباح الله سبحانه للأم المطلَّقة إذا انقضت عدتها وأرضعت ابنها أن تطالب مطلِّقها بأجر مثلها، أو بأي أجر يتراضيان عليه. ومعلوم أن الرضاع يُعدّ منفعة، وقد جرى أخذ العوض عليه، وهو ما يؤكد اعتباره مالًا.
4 -أن في عدم اعتبار المنفعة مالًا، تضييعًا لحقوق الناس، وإغراءً للظلمة في الاعتداء على منافع الأعيان المملوكة للغير، وذلك فساد وجور لا تقبل به الشريعة الإسلامية، وهو يعارض مقاصدها العامة.
5 -أنه مما لا خلاف فيه أن العقد يرد على المنفعة، وتصير به مضمونة، سواء أكان العقد صحيحًا، أم كان فاسدًا، وضمان المنفعة دليل على صيرورتها مالًا بالعقد عليها، مع أن العقد لا يجعل ما ليس بمال مالًا، مثلما لا يجعل العقد ما ليس بمتقوم -كالخمر- متقوما، مما يدل على أن المنافع أموال متقوّمة بذاتها، سواء أورد عليها العقد، أم لم يَرِد [1] .
ويظهر من استناد الحنفية إلى قضية الادخار والحيازة في الأموال، إضافة إلى ورود التقوِّم في المنافع في الإجارة على خلاف القياس فيُقتصر عليها بلا قياس؛ أن ذلك لا يرقى إلى قوة دليل
(1) ينظر: نظرية المنفعة في الفقه الإسلامي 57.