بردها مع عُقرها [1] على المالك [2] ، ولم يحكموا بوجوب أجر منافع الجارية مع أولادها، مما يدل على أن منافع الجارية لا تُعَدّ أموالًا، فهي لم تُقَوّم، ولم تُعوّض [3] .
هذه الأدلة في حقيقتها عائدة على أصل الحنفية في بيان حقيقة المال، فهم يرونه محصورا في الماديات المحسوسة التي يمكن حيازتها، أو ادّخارها، دون ما سواها من الأمور المعنوية، بينما الجمهور يرونه شاملًا للجميع -كما بيناه سابقًا- [4] .
غير أن الحنفية يرون المنافع أموالًا متقوِّمة -مع أنها منافع معدومة- إذا ورد عليها عقد معاوضة؛ كالإجارة، وذلك على خلاف القياس، وما كان كذلك فلا يقاس عليه.
ويُرَدُّ ذلك -والله أعلم- بأنه لو سلمنا أن عقد الإجارة وارد على خلاف القياس؛ فلا نسلم أن سبب ذلك هو مخالفته للقياس من جهة كون المنافع غير متقوِّمة في ذاتها، بل سبب ذلك هو: أن المنافع المعقود عليها معدومة عند العقد [5] .
القول الثاني: أن المنافع تعتبر أموالا متقوِّمة بذاتها، وهي بمنزلة الأعيان القائمة في الماهية.
وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، استدلالًا بما يلي [6] :
1 -أن الأعيان لا تصير أموالا إلا بمنافعها، وهي لا تُقصد لذاتها، بل لمنافعها، وذلك هو الغرض الأظهر من الأموال، وعلى ذلك جرى عرف الناس، وعليه جرت معاملاتهم على مر العصور؛ كما في الإجارة والجُعالة في البيوت والأسواق والخانات التي تُعدّ للاستغلال بسكناها، فهي تتخذ وسيلة للربح والتجارة، فدل ذلك على أن العرف قد جعل المنافع أموالا تُبتغى.
2 -أن الشرع حكم بمالية المنفعة، وقوَّمها وجعلها بمنزلة المال، كما في جعلها مقابَلةً بالمال في عقد الإجارة، وهو من عقود المعاوضات المالية، وكما أجاز جعل المنفعة
(1) العُقر: ما يجب للمرأة من المال إذا وُطئت في نكاح غير صحيح، ولم يكن الوطء موجبا للحد.
ينظر: لسان العرب 4/ 595، تاج العروس 13/ 106.
(2) رواه مالك في الموطأ 2/ 526 (9) ، وعبد الرزاق في المصنف 6/ 244 (10679) ، وابن أبي شيبة في مصنفه 9/ 111 (16550، 16551) ، 10/ 614 (20916) ، وسعيد بن منصور في سننه 1/ 212 (818 - 821) ، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 219، وابن حزم في المحلى 8/ 570 مسألة (1259) ، وابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 213، والزيلعي في نصب الراية 4/ 110 - 111.
(3) ينظر: بدائع الصنائع 5/ 145، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 288، منح الجليل 3/ 401 - 402، روضة الطالبين 7/ 187 - 188، مغني المحتاج 4/ 79، كشاف القناع 5/ 100، شرح منتهى الإرادات 2/ 671.
(4) ينظر ما تقدم في ص 5، من هذا البحث.
(5) ينظر: المدخل الفقهي العام 3/ 208.
(6) ينظر: الفروق للقرافي 1/ 187، 189، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/ 442، مغني المحتاج 2/ 286، المنثور في القواعد 3/ 197 - 198، 222، 230 - 231، كشاف القناع 4/ 80، 122، قواعد ابن رجب 223، 224، المحلى 9/ 15 مسألة (1296) ، نظرية المنفعة في الفقه، الإسلامي 57.