المبحث الخامس
في مالية المنافع
اختلف الفقهاء في عَدِّ المنافع مالا على قولين مشهورين:
الأول: أن المنافع تعتبر مِلكًا يُتصرف فيه، ولا تعتبر أموالا متقوِّمة.
وهذا قول الحنفية، استدلالًا بما يلي [1] :
1 -أن المنافع قبل وجودها معدومة، لا يمكن إحرازها وادّخارها، فلا تعتبر أموالا، لأن صفة المالية تثبت للشيء بالتَّموُّل، والتمولُ يعني صيانة الشيء وإحرازه وادّخاره لوقت الحاجة، والمنافع لا تبقى زمانين، فهى عَرَض يتلاشى، فكلما خرجت من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تلاشت، فلا يُتصور فيها التمول.
2 -كما أن المنافع غير متقوِّمة في نفسها؛ لأن التقوم -بمعنى كون الشيء له قيمة مادية بين الناس- لا يسبق وجوده؛ إذ المعدوم لا قيمة له، فهو -أي: المعدوم- ليس بشيء، فلا يوصف بأنه متقوِّم، كما أن التقوم بعد الوجود لا يسبق الإحراز، والإحرازُ بعد الوجود لا يتحقق فيما لا يبقى زمانين كالمنافع، فلا تعد متقوّمةً.
3 -كما أن المنافع ليست كالأعيان، فالعين تبقى وتَقوْم بنفسها وتُضمن بمثلها أو بقيمتها، والمنفعة لا تبقى ولا تقوم إلا بالعين ولا تُضمن بمنافع مثلها عند الإتلاف، بدليل أنه روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في الرجل الذي غُرِّرَ به فوطئ امرأة بنكاح صحيح على أنها حرة، فإذا بها أمة؛ بوجوب قيمة ولد المغرور [2] وحريته، وألزموا الرجل الذي وطئ الأمَة
(1) ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم 351، أصول السرخسي 1/ 56، المبسوط 11/ 78، 79، شرح التلويح 1/ 171، تيسير التحرير 2/ 206، الفروق للكرابيسي 2/ 238، المدخل الفقهي العام 3/ 205.
(2) المغرور هو الرجل يتزوج امرأة وقد خُدع بها؛ كأن يتزوجها على أنها حرة فتظهر مملوكة. فيَغرم لمولى الأمة غُرّة -عبد أو أمة-، ويرجع بها على مَن غرر به، ويكون ولد الأمة حرا.
ينظر: لسان العرب 5/ 19، تاج العروس 13/ 235، حاشية ابن عابدين 5/ 197.