الصفحة 6 من 14

شرعًا ويدخل في باب الإيثار المأمور به، ولا يمنع من ذلك الترخيص القول بأن جسد الإنسان ملك لله وليس ملكًا للإنسان ولا يحق للإنسان أن يتصرف فيما لا يملك لأننا نقول بأن الكون كله ملك لله ونحن نتصرف فيه بمقتضى الخلافة الشرعية الكاملة التى أرادها الله ما دام ذلك داخلًا في حدود الوكالة والولاية الشرعية التى منحها الله للإنسان لأن يتصرف في ملكه في حدود هذا الإذن، فهو لا يخرج عنه ما دام يحقق مصلحة شرعية أرادها الله والكون كله ملك لله لقوله- تعالى-: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [1] .

والإنسان ضمن هذا الكون ومع ذلك فقد استخلفنا الله في كل ما يملك خلافة شرعية قال- تعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [2] .

فلا يخرج تصرف الإنسان في نفسه بما يحقق المصلحة له ولغيره عن ذلك الإذن العام من الله في الكون للإنسان لتحقيق شرع الله ومنهجه في كونه وفى خلقه.

5.وكما يجوز أخذ عضو من الحى إلى الحى لإنقاذه من هلاك محقق؛ فإنه يجوز الأخذ من الميت للحى لإنقاذه من هلاك محقق أو لتحقيق مصلحة حاجية له أو ضرورية؛ لأن الإنسان الميت وإن كان مثل الحى تمامًا في التكريم وعدم الاعتداء عليه بأى حال لحديث النبى - صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حيًّا) [3] ، وقوله- تعالى-: ... {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [4] ، وهذا التكريم يشمل الحياة وما بعد الممات، ومن مظاهر التكريم الواجب مع الميت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ووجوب دفن غير المسلمين أيضًا كالمسلمين تمامًا.

ومع هذا التكريم فإنه لا يؤثر ما يؤخذ منه بعد موته من أجزاء تقوم عليها حياة إنسان آخر بعده؛ لأن مصلحة الحى مقدمة على مصلحة الميت؛ ولأن الحى يقيم دين الله وشرعه لتستمر الخلافة لله في الأرض ويعبد الله وحده كما أراد- سبحانه-؛ لهذا إذا تعارضت حياة الأم مع حياة الجنين فتقدم حياة الأم على حملها؛ لأن حياة الأم محققة وحياة الجنين- قبل تمام نزوله- محتملة الوجود والعدم، فيقدم لذلك ما كان محقق الحياة على ما شك في حياته، فمن باب أولى يقدم الحى على من تأكد موته.

ولا يعتبر ذلك النقل من الميت من باب التعدى عليه أو الإيذاء به؛ بل ذلك ترخيص من الشارع وإذن منه وهو من باب الإيثار كما في الجهاد؛ بل ذلك تكريم للميت أيضًا؛ لأنه ينتفع بما يقدمه لغيره من مصلحة يحيا بها ويثيبه الله عليها في آخرته؛ بل ذلك يعد له من باب الصدقة الجارية طول حياة المنتفع المستفيد بعضو من أعضاء الميت.

(1) سورة النور، الآية: 42.

(2) سورة البقرة، الآية: 29.

(3) (( رواه أبو داود.

(4) سورة الإسراء، الآية: 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت