وقد وردت الأحاديث الكثيرة التى تنهى عن قتل الإنسان لنفسه، ومنها حديث النبى - صلى الله عليه وسلم: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سُمًّا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا) [1] .
3.قد أمرت الشريعة الإسلامية باتخاذ الإنسان كل الوسائل التى تحافظ على ذاته وحياته وصحته، وتمنع عنه الأذى والضرر والهلاك؛ فأمرته بالبعد عن كل المحرمات والمفسدات والمهلكات؛ ولذلك أوجبت عليه- عند المرض- اتخاذ كل سبل العلاج والشفاء قال: - صلى الله عليه وسلم - (تداووا عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء فتداووا يا عباد الله) [2] .
ولذلك فقد رخصت الشريعة الإسلامية للإنسان عند الاضطرار والوقوع في مخمصة الهلاك أن يتناول من المحرمات التى حرمت عليه في حالة العزيمة ما يمنع عنه الهلاك حفظًا للنفس من الهلاك فله أن يأكل من الميتة وله أن يشرب الخمر بمقدار ما يمنع عنه ذلك الهلاك المحقق، وقد ورد النص الصريح على ذلك في قوله- تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [3] إلى قوله- تعالى-: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [4] .
4.لكن ما هو الحكم الشرعى إذا لم ينقذ الإنسان من هلاك محقق إلا بأخذ جزء من غيره حيًّا أو ميتًا ولم توجد وسيلة أخرى لمنع هذا الهلاك إلا بذلك القطع أو الأخذ، وقال أهل الخبرة الطبية العدول إن ذلك يحقق النفع المؤكد للآخذ ولا يؤدى إلى ضرر مؤكد بالمأخوذ منه ولا يؤثر على صحته وحياته وعمله.
والجواب عن ذلك: أنه لا مانع شرعًا من الترخيص في النقل إن خلا من ضرر؛ لأن ذلك يعد من باب الإذن الشرعى الذى فيه إحياء للنفس التى أمر الله بإحيائها، وهو من باب التضحية والإيثار الذى أمر الله به وحث عليه لقوله- تعالى-: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [5] ، وقوله- تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [6] ، وما الجهاد في سبيل الله والقتال وبذل النفس والمال والحرص على الموت إلا لتحقيق هذا الإيثار ببذل النفس لإحياء الغير وهم الأهل والوطن؛ كما وجب على الإنسان في الإسلام إنقاذ الغرقى والحرقى عند غلبة الظن عند المنقذ بالإنقاذ والخلاص مع احتمال الضرر والهلاك له عند الإنقاذ؛ إذ كل هذا مأمور به
(1) (( رواه الترمذى.
(2) رواه البخارى، وأحمد.
(3) سورة المائدة، الآية: 3.
(4) سورة المائدة، الآية: 173.
(5) سورة الحشر، الآية: 9.
(6) سورة التوبة، الآية: 20.