الصفحة 9 من 16

المسأله الرابعة: الرأى الفقهى في زرع أو نقل الأعضاء:

ينبغى لتقرير الحكم الشرعى لعملية نقل أو زرع الأعضاء الآدمية، بيان ماهيتها، والوقوف على مدى الحاجة إليها من أجل حفظ الحياة الإنسانية: وهى إحدى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، والاطلاع على المحاذير الناشئة عنها؛ تأسيسًا على القاعدة الأصولية:"الحكم على الشئ فرع عن تصوره".

يذهب رأى إلى أن نقل عضو من شخص سليم إلى آخر مريض محرم شرعًا؛ لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حيًّا) [1] يعنى في الحرمة) [2] (؛ ولأن عملية نقل العضو وزرعه في آخر يترتب عليه تغيير في حكم الله، وهو ممنوع بقوله- تعالى-: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [3] .

ولأن نقل عضو من إنسان لآخر ينطوى على مخاطر يترتب عليها ضرر، والضرر ممنوع؛ ولأن هذا النقل يتعارض مع الكرامة الإنسانية، وقد يهدرها ويمتهنها.

وثمة ملحظ يجب إيراده في هذه القضية، هو أن أى عمل من هذا القبيل ينطوى على مصالح ومفاسد، باعتبار ما يتمخض عنه من نفع وفائدة لطرف أو ضرر أو انتقاص للطرف الآخر، وهو ما يقتضى إجراء الموازنة بين الأمرين، وتغليب أعلى المصلحتين، وترجيح أقوى الاعتبارين، وهو ما قرره الشاطبى بقوله:"إن المصالح والمفاسد لا تخلص كونها مصالح محضة؛ لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق قلت أو كثرت؛ وإنما نفهم أنها مصلحة أو مفسدة على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب منها جهة المصلحة، فهى المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلب جهة المفسدة فهى المفسدة المفهومة عرفًا؛ ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت فيه جهة المصلحة فهو مطلوب، وإذا غلبت فيه جهة المفسدة فهو مهروب" [4] .

وعلى هدى ذلك يتم اختيار الرأى الأول برجحان المصلحة فيه، والأوفق لحالة الأشخاص- أطراف عملية نقل الاعضاء-، والأشبه بظروف العصر في ضوء المستجدات التى طرأت عليه وعلى مجمل العملية، دون تفريط في الثوابت أو افتئات على الأصول الشرعية؛ وإنما يجرى توصيف دقيق واستيعاب بصير بجوانب العملية برمتها، والتوفيق بين حرمة الإنسان، وحق العلاج.

(1) رواه أحمد.

(2) الموافقات، جـ 1، ص 15.

(3) سورة النساء، الآية: 119.

(4) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل جـ 4، ص 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت