الصفحة 8 من 16

وهى شرعية العلاج الثابتة بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء) [1] ، ويدل عليه ما ذهب إليه الفقه: من أنه لو غصب رجل جوهرة وابتلعها ثم مات، وأمكن الحصول عليها بشق بطنه، فقد أجازوا شق بطنه لاستخراج الجوهرة منها، إجابة لمطالبة حق صاحب الجوهرة في استردادها.

كذلك شق بطن الحامل الميتة، لإخراج جنينها إذا كان حيًّا؛ فإنه جائز إنقاذًا لحياة الطفل؛ لأن حفظ حياته أعظم مسألة من مفسدة انتهاك حرمة أمه [2] .

ومن ذلك يتبين أن هذه الوسيلة متى تعينت للوصول إلى الهدف المراد، فيكون المصير إليها وتلمس طريقها بأن تكون آخر الطرق اللازمة للتعليم أو العلاج كونها لا يغنى عنها سواها، ومما ينبغى تقريره- في هذا السياق- أن تعليم الأطباء عن طريق إجراء التجارب على أجساد الموتى إنما يحقق إقامة فرض كفائى للأمة؛ لأهمية وجود أطباء مسلمين يقومون على الطب والعلاج؛ إعتمادًا على أن تحصيل الخبرة والعلم الطبى يتطلب تشريح جثث الموتى؛ مما يكون معه هذا التشريح لأجساد الموتى جائزًا، على أساس قاعدة:"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ إلا أن هذه الممارسة يجب أن تكون في أضيق الحدود، بغرض التعليم أو كشف ظروف الجريمة والمجرم بناء على قاعدة:"الضرورة تقدر بقدرها"، وأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

وفى هذا الصدد يمكن أن تنظم المسألة من طريقين:

1.أن توجد جثث لآدميين لا يوجد ولى أمر ولا ورثة لهم، الأمر الذى يؤول معه أمر تجهيزهم وتكفينهم ومواراة أجسادهم إلى الحاكم، فيكون تقرير الأمر بتشريح هذه الجثث مقررًا للحاكم في حدود المصلحة العامة وحالة الضرورة؛ اعتبارًا بقاعدة:"الإمام ولى من لا ولى له".

2.حالة ما إذا لم توجد مثل هذه الجثث، ومطلوب توفيرها للتشريح، فيكون المآل في الحصول عليها إجراء قرعة علنية من قبل السلطة العامة؛ قيامًا بالفرض الكفائى، ووفق خطة تحدد الكم المطلوب منها حذرًا من إساءة استعمالها .. أساس ذلك أن القرعة طريق شرعى، يعتمد عليه في تقرير بعض الأحكام الشرعية، مثل التزاحم على الآذان والصف الأول، فإن تقرير الحق فيه يتم على أساس إجراء القرعة، والفصل في الموضوع فتنحسم مادة النزاع، وهذا المنحى له أصل من السنة المطهرة، بقول الرسول- صلوات الله عليه-: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه) [3] - يعنى- أجروا قرعة فيما بينهم للفوز بالفضل فيهما, ولا مانع يحول دون تطبيق ذات الوسيلة على تشريح جسم الميت لأغراض طبية معتبرة شرعًا.

(1) رواه أحمد.

(2) قواعد الأحكام، مرجع سابق جـ 1 ص 97.

(3) رواه البخارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت