المسألة الثالثة: حكم تشريح الجسد البشرى.
أسفرت التطورات الحديثة عن الحاجة لتشريح الجسم البشرى لأسباب تتعلق بالصحة والعدالة؛ وحيث إن مقاصد الشريعة تتنوع إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، فإن الحاجة العامة أو المصلحة الكلية قد تتطلب تشريح جسم إنسان، وفصل أعضائه كلها أو بعضها عن بعض, فقد تقتضى الضرورة أو الحاجة لمعرفة سبب الوفاة أو القتل تشريح جسم الإنسان لأسباب تعليمية أو لإرساء العدالة، وتحرى ظروف الجريمة والكشف عن المجرم، وإحقاق الحق، وهو غاية النظام القضائى في الشرع الإسلامى بقوله- تعالى-: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [1] ، وعليه فإن سلوك الطريق الموصل إليه يكون مشروعًا لكونه سبيلًا إلى كشف الحقيقة؛ ذلك أن سلوك الوسيلة المشروعة لبلوغ الهدف المشروع, يكون متعينًا على سند الحقيقة، ومن المقرر شرعًا من أن: الوسيلة إلى الواجب واجبة, وإلى المندوب مندوبة، والعدل مقصود في الشرع مطلوب سلوك وسائله، واتخاذ الطرق الموصلة إليه وتحريها, وهو ما يؤكد عليه ابن قيم الجوزية: فإن الله- سبحانه- أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذى قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه- بأى طريق كان- فثم شرع الله ودينه، والله- سبحانه- أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشئ، ثم ينفى ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها.
بل قد بيَّن- سبحانه- بما شرعه من الطرق، أن مقصوده: إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأى طريق استخرج بها العدل والقسط فهى من الدين، وليست مخالفة له) [2] (.
ومن جهة أخرى، فإن الحاجة إلى تشريح جثة الميت قد تتطلبه مقتضيات التعليم وأصول ممارسة مهنة الطب من حيث وقوف الدارسين على حقيقة الجسم البشرى، والاطلاع على بديع صنع خلق الله، وتناسق أجزائه، ودقة تركيبه، واكتشاف العلاقة بين أعضائه بغرض التعرف على طرق لعلاجه من واقع رؤية تجريبية، وتبصر وبصيرة مهنية، على أساس عملى وممارسة فعلية، فتتحقق الدراية العلمية، وتترسخ الأصول الطبية، وتتجلى الحقيقة في صورتها الواقعية لا النظرية، ومن ثم يكون التعليم عن تجربة ودراية ومران.
ولا ينال من ذلك القول بأن التشريح على هذا النحو يجعل جسد الآدمى حقلًا للتجارب، ويمكن أن يكون بديلًا عنه استخدام أى حيوان وتشريح جسده، لبلوغ المتطلبات العلمية والدراية الطبية المشار إليها، فإن ذلك مردود عليه بأن هذا البديل لا يصلح ولا يحقق المقصود، لاختلاف الخصائص وتباين التركيب الجسدى بين الإنسان والحيوان، ولكون التعلم المقصود يتعلق بمعرفة أسرار التركيب العضوى للإنسان؛ توصلًا للحقيقة فيه؛ تمكنًا من تطبيبه وعلاجه، وعلى هدى قاعدة:"إعطاء الأولوية للمصلحة الأعلى"،
(1) سورة النساء، الآية: 58.
(2) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 18.