الصفحة 6 من 16

الدم مصدر الحياة في الجسم البشرى، وباعث القوة، وينبوع الطاقة والحياة فيه, وحكم دم الإنسان أنه ليس طاهرًا، فهو نجس، فيحرم شربه أو التعامل فيه.

وبحسب الأصل فإنه جزء من الإنسان ينطبق عليه الكرامة الآدمية والحرمة الشرعية؛ لكن بالنظر لحالة الضرورة المتمثلة في إنقاذ إنسان آخر تسرى القاعدة، ويجوز التداوى بالدم مع أنه نجس، إذا وجدت حالة الضرورة تطبيقًا للقاعدة الأصولية:"ما كان محرمًا لذاته يباح للضرورة"تلك التى تسوغ الخروج على الأصل بأن يكون الشخص فيها على وشك الهلاك، ويتعين استخدام المحرم إنقاذًا لحياته.

وإنما جاز التداوى بالنجاسات إذا لم يجد طاهرًا يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة [1] ، ولا تتطابق الحالات التى تسوغ المادة النجسة كالدم أو العضو النجس؛ وإنما تتفاوت تبعًا لأهميتها؛ كما أشار الحموى حيث قال: ههنا خمس مراتب: ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول،"فالضرورة": بلوغه حدًّا، إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، وهذا يبيح تناول الحرام،"والحاجة": كالجائع الذى لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح الحرام، ويبيح الفطر في الصوم [2] .

ونخلص من ذلك أن"الضرورة": هى أن يكون الشخص مشرفًا على الموت، والحالة القصوى التى يلحق فيها الضرر بالإنسان؛ لكن حالة المشقة أو الحرج التى تصيب الشخص قد تصلح مسوغًا للتداوى بالنجس أو المحرم، ومرد ذلك قاعدة:"وما كان محرمًا لغيره يباح للحاجة"، وأن"المشقة"تجلب التيسير، وهى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المشقة العظيمة، والمتوسطة، والخفيفة، والمشقة العظيمة هى أعلى أنواع المشقة، وهى ما يحصل بها خوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، والمشقة المتوسطة، وهى تلى المشقة العظيمة, وهى ما ينشأ عنها زيادة المرض وبطء البرء"الشفاء" [3] ، وهى بما تسفر عنه من معاناة ومضاعفات مرضية على الجسد، تبيح العلاج بما هو محرم، وهو ما قد يجد سنده في قوله- تعالى-: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [4] .

يؤيد ذلك حديث عرفجة أنه قُطعت أنفه فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذه من ذهب؛ مما يجوز زرع الذهب للحاجة أو الضرورة، ومن المقرر:"أن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان"، وهو ما يبيح التداوى بالدم، ويجعل وسائل الحصول عليه من الأشخاص المتبرعين به عن طريق الجهات الرسمية، واتخاذ التدابير اللازمة لحفظه في بنوك الدم وما شابهها هو أمر جائز باعتبار أنه يستخدم لإنقاذ نفس إنسانية مهددة بالفناء، فيتحقق بذلك مقصد شرعى يتمثل في حماية النفس.

(1) قواعد الأحكام لعز الدين بن عبد السلام جـ 1، ص 87.

(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 122 من تعليقات الحموى على ما جاء في القواعد الواردة فيه.

(3) الأشباه والنظائر نفس المرجع، ص 11.

(4) سورة النساء، الآية: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت