فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 31

أن يستدل بالقياس، ومعلوم أن القياس هو أحد مصادر التشريع الإسلامى عند جمهور علماء أصول الفقه الإسلامى بعد القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإجماع .. والقياس معناه: إلحاق أمر لم يرد حكمه في القرآن، أو السنة، أو الإجماع، بأمر ورد حكمه في أحد هذه الأدلة الثلاثة، والقياس- كما هو مبين في علم أصول الفقه الإسلامى- له أربعة أركان لابد أن تتحقق فيه، هذه الأركان هى المقيس عليه، ويعبر عنه أيضًا بالأصل، والمقيس ويعبر عنه أيضًا بالفرع، والعلة وهى الوصف المشترك الذى يجمع بين المقيس عليه والمقيس، وهو الذى كان من أجله كان الحكم، وحكم المقيس عليه الذى سنعديه إلى المقيس، هذه هى أركان القياس التى لابد أن تتوفر في كل قضية يراد الاستدلال فيها بالقياس، فإذا التفتنا إلى القضية التى نتكلم فيها الآن، فإننا نجد أن المقيس عليه هنا أو الأصل هو المأكولات المحرمة المبينة في كتاب الله الكريم، والمقيس أو الفرع هنا هو انتهاك حرمة المتوفى بأخذ عضو من أعضائه، فلما رخص الله- عز وجل- أكل المأكولات التى حرمتها النصوص الشرعية للاضطرار، فإن العلة وهى الاضطرار موجودة في حال احتياج إنسان لإنقاذه من الموت إلى نقل عضو من أعضاء المتوفى، أو دفع ضرر شديد عنه بزرع قرنية العين التى تبرع بها المتوفى والتى تدفع عن المتبرع له ضرر العمى، ومادامت علة الإباحة موجودة في المقيس وهو الفرع فإن الحكم يتعدى المقيس عليه أو الأصل إلى المقيس أو الفرع، فيكون أخذ عضو من أعضاء المتوفى استبقاء لحياة إنسان ودفع ضرر شديد عنه جائزًا استدلالًا بالقياس على إباحة الأكل من الممنوعات التى بينتها نصوص القرآن الكريم، فيكون معنا- إذن- دليلان على جواز نقل الأعضاء البشرية أول هذين الدليلين هو العموم المستفاد من قوله- تعالى-: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] ، وقوله- تعالى-: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [2] ، والدليل الثانى في هذه المسألة هو القياس.

حكم بيع أعضاء الإنسان

مع أننا انتهينا إلى أنه يجوز للإنسان أن يتبرع بأحد أعضائه بعد وفاته إذا أمكن للعلم أن يتوصل إلى الاستفادة من أجزاء المتوفى الوفاة التى نعرفها ويعرفها آباؤنا وأجدادنا، فإنه يجب أن نلاحظ أن هذا لا يكون إلا عن طريق التبرع، ولا يجوز بيع أى عضو من أعضاء الإنسان، فقد بينت النصوص الشرعية حرمة هذا البيع، ويدل على هذا الأدلة الآتية:

الدليل الأول: حديث قدسى يقول فيه الله- عز وجل-: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بى ثم غدر- أى أعطى بالله عهدًا ثم غدر بالعهد-، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) [3] أى استوفى منه عمله ولم يعطه الأجر على ذلك؛ فإذا كان الله- عز وجل- سيكون خصمًا لمن باع حرًّا فإن هذا مبين لعظم الذنب في ذلك.

اعتراض والرد عليه:

(1) سورة المائدة، الآية: 3.

(2) سورة الأنعام، الآية: 145.

(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى جـ 4، صـ 417، المكتبة السلفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت