مضبوط بقواعد عامة لا يجوز لنا أن نتعداها؛ كما وضح ذلك في الآيات التى ذكرناها، وفيما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قواعد وضوابط تنظم التعامل بين الناس في الأموال والتصرف فيها، فملكية الله- عز وجل- للأشياء كلها في الكون كله ليست علة مانعة للتصرف من الإنسان في هذه الأشياء التى هى ملك لله- تبارك وتعالى- في نطاق قواعد عامة- كما قلنا- بينتها شريعة الله- عز وجل-، فيجوز للإنسان أن يتصرف في أمواله بالتبرعات والهبات والصدقات، والمهور، والبيع والشراء، والإجارة، وغير ذ لك من التعامل المالى الذى أباحه الله- عز وجل-؛ وكذلك جسمه يملكه مع أن المالك الحقيقى له وللكون كله هو الخالق- تبارك وتعالى-؛ ولهذا يجوز للإنسان أن يأذن في إجراء جراحة له يترتب عليها قطع جزء من جسمه لمصلحته.
وعلى هذا فملكية جسم الإنسان وكل الكون لله- تبارك وتعالى- ليست مانعًا من التبرع ببعض أعضاء الجسم بعد الوفاة الحقيقة إذا أمكن للطب أن يستفيد من أعضاء الشخص المتوفى الوفاة التى يعرفها الجمهور من عامة الناس وخاصتهم، ومن الواضح أن هذا التبرع قد يكون مؤديًا إلى إنقاذ حياة إنسان آخر، أو تحقيق نفع له كبير كالتبرع بقرنية العين، ونسأل: ما الذى يؤذى المتوفى أو ما الذى يخسره؟ ليس هناك ما يخسره؛ بل هناك ما يعطى الأمل في الثواب له، فالأمل يكون في ثواب الله- عز وجل- للمتوفى إذا تبرع بعضو بعد وفاته يؤدى إلى إنقاذ حياة إنسان يحتاج إليه، وقد بيَّنا كلام الفقهاء القدامى الذى أباح شق بطن المتوفاة لإنقاذ حياة جنينها، فجاز عندهم انتهاك حرمة الموت لأمر سيترتب عليه إنقاذ حياة إنسان وهو الجنين الموجود في بطن أمه، وهى حالة اضطرار، وحالة الاضطرار تبرر الترخص في فعل ما اضطر الإنسان إليه وفى هذا المقام معنا دليلان على الإباحة:
أولًا: نصوص القرآن الكريم: فنجد القرآن الكريم يبين أن الله- عز وجل بعد أن ذكر المحرمات من المأكولات من ميتة وغيرها- استثنى حال الاضطرار، فقال- عز وجل-: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] ، وقال- تعالى-: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [2] ، ومع أن هذين النصين الكريمين قد جاءا في سياق بيان المحرمات من المأكولات فإنهما بعمومهما يفيدان استثناء كل حالات الاضطرار، فيدخل فيها الاضطرار لاستبقاء حياة إنسان بالاستعانة بعضو من إنسان متوفى مع أن الأصل عدم جواز انتهاك حرمة المتوفى.
ثانيًا: القياس: مع الاستدلال على جواز الانتفاع بعضو من أعضاء المتوفى في حالة ضرورة استبقاء حياة إنسان يتعرض للموت، أو إزالة ضرر شديد عنه بما يفيده النصان الكريمان اللذان ذكرناهما من آيات الله الحكيم، وهما قوله- تعالى-: ... {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وقوله- تعالى-: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} نقول: مع الاستدلال بهذين النصين من عموم يدخل فيه كل حالات الاضطرار، فإنه بجانب الاستدلال بهذا العموم أيضًا يمكن
(1) سورة المائدة، الآية: 3.
(2) سورة الأنعام، الآية: 145.