إذا كان يمكن القول بأن الإسلام أقرَّ الرق وهو تملك إنسان وأجاز بيعه، وشرع من الأحكام التى تنظم التعامل مع الرقيق سواء كانوا رجالًا أو نساء، فإن الرد على هذا أن نظام الرق لم يخترعه الإسلام؛ وإنما هو نظام كان موجودًا مستقرًا في العالم قبل ظهور الإسلام، وكان العالم يعتبره أساسًا من أسس النظام الاقتصادى؛ وكما أنه كان من علامات الثراء ملكية الأراضى والعقارات والدنانير والدراهم والذهب والفضة كان أيضًا من علاماته- في كثير من الأحيان- ملكية الرقيق، ولم يكن من الحكمة إلغاء هذا النظام فجأة وطفرة في هذا العصر السائد فيه، ولو تصورنا إلغاء الرق مرة واحدة، فلن تكون الصورة كما هو الأمر بالنسبة إلى الخمر عند تحريمها بعد التدرج في الحكم، فإن المسلمين عندما بلغهم أن الله حرم الخمر امتنعوا عنها، وسفكوا فورًا ما في بيوتهم منها في الشوارع، مع أن الخمر نفسها حرمت تدرجًا لأن شربها كان متأصلًا جدًا فيهم، ولم تحدث مشكلة في الامتثال لما أمر الشرع، فأريقت الخمور وانتهى الأمر؛ وأما الأمر بالنسبة إلى الرق فلو ألغى فجأة هذا النظام الذى كان سائدًا في العالم، لكان ذلك مؤديًا- غالبًا- إلى الكثير جدًا من المشكلات التى يغلب على الظن حدوثها في ظل هذا النظام الذى كان يعتمد فيه الأرقاء- في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم- على سادتهم وهى مشكلات اجتماعية واقتصادية تقع إذا خلَّى بينهم وبين معيشتهم بعيدًا عن سادتهم، أين الأماكن التى سيجدونها تسترهم وتؤويهم؟ إنه يمكن أن ننتظر ثورة الجياع وهى من أشد ألوان ثورات المجتمعات نهبًا للأموال والممتلكات؛ بل يمكن أن تتصاعد تعديًا على الأرواح، وسفكًا للدماء، والجياع هم هؤلاء الذين بلا مأوى، ووجدوا أنفسهم فجأة بلا أشياء تسد ضرورياتهم وحاجياتهم، وهى مشكلة من أكثر المشكلات التى تواجه الإناث"الجوارى"على وجه الخصوص، وقد يلجئ الكثيرات منهن هذا الوضع الجديد إلى الانغماس في الرذيلة تكسبًا لما يعشن عليه، فكان من كمال الحكمة معالجة هذا الوضع بصور أخرى متعددة، منها تحريم خطف الإنسان واسترقاقه- كما كان يحدث- وجعل إعتاق الرقيق من أفضل الأعمال، قال - صلى الله عليه وسلم - كما روى البخارى ومسلم-: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى الفرج بالفرج) ، وتبين المصادر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعتق ثلاثًا وستين نسمة [1] ، وجعل الله الإعتاق كفارة لبعض المخالفات التى يرتكبها الإنسان مثل كفارة الحنث في اليمين، وكفارة الظهار [2] ، وكفارة القتل الخطأ، وغير ذلك [3] .
ويلاحظ أن ملكية الرقيق لم تكن ملكية لذات الإنسان يتصرف فيها المالك كما يشاء كالأمتعة وسائر المملوكات؛ وإنما كانت ملكية انتفاع كما يباع الآن لاعبو كرة القدم للنوادى [4] ، فتختص بهم في اللعب باسمها، ويدل على أن السيد لا يملك عبده- كما يملك الأمتعة والأشياء الأخرى- أن السيد إذا قتل عبده قتل به، بهذا قال الحنفية، وبهذا قال إبراهيم النخعى- أحد كبار فقهاء التابعين- استنادًا إلى ما يأتى:
(1) مغنى المحتاج لمحمد الشربينى الخطيب على متن المنهاج للنووى جـ 4، صـ 491.
(2) الظهار: كان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته: أنت على كظهر أمى، ويعتبرون ذلك طلاقًا، فحرم الله- عز وجل- ذلك، وجعل له كفارة تحرير رقبة أى إعتناق رقيق.
(3) لمزيد من التفصيل في موضوع الرق يمكن للقارئ الرجوع إلى كتابنا: الحقوق والواجبات والعلاقات الدولية في الإسلام.
(4) كما يرى د. محمد على البار.