فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 31

جاءت مطلقة في عدم جواز الضرر، وإذا لم يجز أن يتبرع الإنسان بعضو وحيد في جسمه فهذا في الأعضاء الداخلية؛ وكذلك نوافق الدكتور يوسف القرضاوى على أنه لا يجوز التبرع بأحد أعضاء الجسم الظاهرة، كالعين، واليد، والرجل، لأمرين:

الأمر الأول: أنه يزيل الضرر عن غيره بالإضرار بنفسه وهو ممنوع؛ لأن القاعدة الشرعية- كما بينا قبل هذا- هى أن الضرر لا يزال بضرر مثله.

الأمر الثانى: أنه يؤدى إلى تشويه صورة المتبرع، ومن الواضح أن التشويه لا يجوز، وقد بيَّن الله- عز وجل- أن تغيير الخلقة بالتشويه هو من أوامر الشيطان، قال- عز وجل في مجال توبيخ مشركى مكة إذ عبدوا الأصنام-: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) } [1] ؛ فكان المشركون يشوهون الحيوانات بقطع آذانها، فإذا ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا يشقون أذنيها، ويحرمون على أنفسهم الانتفاع بها، ويتركونها ترعى وتشرب لا يتعرض لها أحد، وقد حرم الإسلام ذلك، فتشويه خلق الله من المحرمات في الإسلام، وليس هذا فقط؛ بل نجد النصوص تحث على حسن الهيئة، فقد أنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل لم يعتن بنظافة هيئته كما روى الإمام مسلم عن أبى الوليد، وسليمان بن حرب، قالا: حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن أبيه قال: أتيت رسول الله - رضي الله عنه - وأنا قشف الهيئة [2] ، قال: (هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال من أى المال؟ قلت: من كل المال، من الخيل، والإبل، والرقيق"العبيد"، قال: فإذا آتاك الله مالًا فلير عليك أثره) .

الناحية الثالثة: أن العلماء أجمعوا على تحريم الخصاء- وهو قطع الخصيتين من الرجل- نقل إجماع العلماء على هذا الحكم المحدث الفقيه الإمام الصنعانى، ثم قال: فيلحق بذلك ما في معناه [3] ، وهو يعنى بهذه العبارة أنه يلحق به في الحكم كل ما يؤدى إلى إبطال صلاحية الإنسان للإنجاب بصورة دائمة، ومن الواضح أن نقل الرحم من امرأة حية إلى امرأة أخرى هو عند المرأة في معنى"الجب"و"الخصاء"عند الرجل.

نقل قناتى فالوب: قناتا فالوب يمثلان قناتى اتصال بين جسم الرحم والمبيضين، وهما من الأعضاء التناسلية للمرأة غير الناقلة للمورثات، ولهذا يجوز نقل إحداهما أو كليهما من جسم امرأة إلى أخرى؛ لكن هذا نقيده بما إذا كان تبرعًا بعد سن اليأس أو الوفاة؛ لأن التنازل عن شئ مفيد للإنسان يمكن أن يحتاج إليه في المستقبل يعرضه للندم بعد ذلك، وأحكام الشريعة لا تريد للإنسان أن يندم إلا في مجال التوبة من المعاصى، والندم ضرر نفسى والشريعة لا تبيح الضرر سواء كان عضويًا أم نفسيًا.

(1) سورة النساء، الآيات: 117 - 119.

(2) يقال: قشف، أى خشن جلده، ولم يتعهده بالنظافة، فهو قشف- بتسكين الشين- المعجم الوجيز- مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

(3) سبل السلام للصنعانى جـ 3، صـ 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت