فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 31

وإذا وجد من الأطباء أو من الدول من يخالف في اعتبار موت جذع الدماغ موتًا حقيقيًا للشخص، فإن هذا يورث شكًا في أن الشخص الذى حصلت له حالة موت"جذع المخ"قد مات موتًا حقيقيًا، وإنما احتمال بقائه على قيد الحياة لازال قائمًا، فحالة الشك في حالة الشخص الذى مات عنده"جذع المخ"، هل مات موتًا حقيقيًا أم لا؟ لا تعطينا الحق في الحكم بأنه قد مات موتًا حقيقيًا لا رجعة فيه؛ لأنه في حالة الشك تحكمنا قاعدة شرعية قال بها العلماء، هى: اليقين لا يزول بالشك، وهى إحدى القواعد الفقهية الكبرى التى يبنى عليها الفقه الإسلامى، واستدل العلماء عليها بعدة أحاديث تبين هذه القاعدة، منها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) [1] ، ومنها الرواية عن عبد الله بن زيد قال: شكى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة، قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) ، وروى الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن) .

وروى الترمذى عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثًا؟ فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم) ، قال السيوطى بعد أن ذكر هذا:"اعلم أن هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر" [2] .

ثالثًا: لو كان يجوز انتزاع أعضاء من الشخص الذى مات فيه"جذع المخ"؛ لأنه سيموت على وجه التأكيد لجاز ذلك أيضًا في حالة كل شخص ميئوس من شفائه ويتوقع الأطباء وفاته في كل لحظة وأخرى، وهذا ما سمعنا أحدًا ولا قرأنا لأحد قال به، ولا يجوز أن يقال هذا الكلام.

رابعًا: أن حالة الشك تمنعنا من انتزاع أى عضو من أعضاء شخص لازال الشك موجودًا في موته وحياته بعد موت"جذع المخ"؛ لأنه معرض لضرر من أبلغ الضرر إن لم يكن أبلغه وهو الموت بعد أخذ عضو من أعضائه مع احتمال أن حياته لازالت باقية، ومن المعلوم أن الضرر لا يجوز في الشريعة بل ولا في القوانين الوضعية، ويؤكد هذا المعنى أن الأخلاق الطبية والعلمية لا تسمح بأن تجرى تجربة على الإنسان من المحتمل أن تسبب له ضررًا، فلابد أن يكون القائم بالتجربة قد قام بها على الحيوانات وأعطت يقينًا- أو ما يقرب من اليقين- بأن تلك التجربة لا تسبب ضررًا أكثر من ضرر مرضه ولا ضررًا مساويًا له.

خامسًا: مع تسليمنا بما توصل إليه العلم الآن بموت"جذع المخ"وأن موت"جذع المخ"يؤدى إلى وفاة صاحبه، فإننا نقول أن هذا الشخص لم يمت الآن وإنما هو في سبيله إلى الموت، وهى حالة الاحتضار، ولا يجوز أن نحكم بالموت على المحتضر، قال النووى:"ولو قتل مريض في النزع وعيشه"

(1) رواه البخارى، ومسلم.

(2) الأشباه والنظائر للسيوطى صـ 50، 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت