فكان الظاهر بيبرس من النماذج الفريدة في عصره؛ لإقامته العدل، وإشاعته الحكم بالشرع؛ ومعلوم أنَّه بصلاح الرَّاعي تصلح أحوال الرَّعيَّة، وتستقرُّ حياتهم، وتنتظم أمور معاشهم.
* أمَّا طبقة العلماء:
فإنهم كانوا يشكِّلون حضورًا بارزًا في ذلك القرن؛ لتعاقب الحكَّام في بلاد الشام ممَّن يقدِّمون العلماء، ويكرمون الفضلاء، ويساهمون في بناء المدارس، ويهيئون الأجواء لطلاَّب العلم ومريديه، بإجراء الأعطيات، فتقاطر إليها العلماء، وتساعى نحوها ثلَّة من حملة العلم النجباء؛ فكانت دمشق مهوى أفئدة المتعلمين، لحرص ولاتها على صونها من أيدي العابثين، حتَّى إنهم كانوا يخرجون لملاقاة الأعداء خارجها؛ لتبقى في أمانٍ واطمئنان، فازدادت بذلك تقدُّمًا، وازدهرت فيها شتى مجالات العلوم.
مع ما كان العلماء فيه من عزَّة وصدع بالحق، وورع وزهد فيما عند الخلق؛ فكانت الحكام تهابهم، فرأيهم مسموعٌ، وقولهم لها اعتبارٌ ونظر؛ ولذا تجلَّت على الإمام النَّووي صدق مناصحته للولاة؛ وكثرة مكاتبته لهم، إنفاذًا للعهد، ونصحًا للأمَّة، وإبراءً للذِّمَّة، ومواقفه في ذلك مشهودة معلومة، منها مناصحته للملك الظاهر بيبرس؛ ومن جملة كتابه: (وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع، ويوصي نوابه به، فهو أولى من عمل به، والمسؤول إطلاق الناس من هذه الحوطة، والإفراج عن جميعهم؛ فأطلقهم أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضعفة؛ وفيهم الأيتام والأرامل والمساكين، والضعفة والصالحون، وبهم تنصر،