وشاهد ذلك من السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما أرسله إلى ... اليمن:"إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" [1] . إن هذا القول يؤكد أنه ينبغي على الداعية أن يعرف من يدعو ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه: إنك تأتي قومًا أهل كتاب. قال العلماء: أخبره بذلك لأمرين: أولها: ليكون بصيرًا بأحوال من يدعو، وثانيها: أن يكون مستعدًا لهم، متهيأ لمناظرتهم. وفيه ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من معرفة بأحوال الناس، إما بالوحي، أو بالعلم والتجربة. وفيه أنهم أهل علم سابق و مخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل، وفيه كيفية الدعوة إلى الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات [2] .
المطلب الثالث: الأناة والتثبت من وقوع المنكر الذي يُراد إنكاره.
إذا نمى إلى علم الداعية منكر في فرد أو جماعة فليتأنى حتى يتأكد من صحة الخبر، حتى لا يتهم بريء، و ينهى عن أمر ليس له وجود، فيقع في الحرج، و يُتهم بالعجلة، و يفقد ثقة الناس، و قبل ذلك يُساعد في إشاعة الفاحشة التي نهى الله عنها، أو يُشغل الناس بعضهم ببعض، وكل ذلك ليس من آداب الإسلام والدعوة في شيء.
وفي سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع أمثلة التأني والتثبت من الأخطاء و المنكرات التي يُخبر بها قبل أن يُنكرها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره المفسرون: ... (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلي بني المصطلق مصدقًا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع القوم تلقوه تعظيما لله تعالى ولرسوله فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) المرجع السابق، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين، 1/ 37، رقم 130.
(2) انظر: إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام، سليمان محمد اللهيميد، 3/ 75. و المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، 1/ 96. وعمدة القاري، العيني، 13/ 184.