الصفحة 8 من 46

المبحث الثاني: إتقان الجانب العلمي النظري

نعني بالجانب العلمي النظري: فهم العلوم الشرعية والعربية وفقهها، وفقه المقاصد الشرعية ... و إتقان علوم الوسائل المحققة لها إتقانًا يحمي الأمة من سوءَ المأخَذ، وفساد الاستنتاج، وقُبحَ الأعمال، وحتى تترقَّى مداركُهم وتظهرَ جهودُهم في أجمل المظاهرِ التي أرادها هذا الدين، ولتنبع أفعالهم من روحِ الإسلام، وتنساق من مقاصِده، وتوفِي بحاجات ... الدّعوةِ، وتواكِب مقتضياتِ الزمان، وتغيُّرات العصر.

إنَّ أمّتنا لفي ضرورةٍ لتفهُّم المقاصد العامَّة لهذا الدين، وفي حاجةٍ ماسَّة لدراسة أهداف شريعة الإسلام والتعمُّق فيها والعَمَل على فقهها؛ لإصلاح المنهَج النظريّ العلميّ فهو الركيزة الأساسية للدين، فالعلم مقدم على العمل، وبصحته يصح العمل كما قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [1] ، وقد بوب الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ بابًا قال فيه: (باب العلم قبل القول و العمل، و استشهد بهذه الآية) [2] . قال العيني ـ رحمه الله ـ: (أي هذا باب في بيان أن العلم قبل القول والعمل، أراد أن الشيء يعلم أولًا، ثم يقال، ويعمل به، فالعلم مقدم عليهما بالذات، وكذا مقدم عليهما بالشرف، لأنه عمل القلب وهو أشرف أعضاء البدن) [3] . و قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: (قال بن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم إن العلم لا ينفع إلا بالعمل تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه ... إلى أن قال ابن حجر: وينتزع منها دليل ما يقوله المتكلمون من وجوب المعرفة، لكن النزاع كما قدمناه إنما هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام) [4] .

و سأُبين أهم متطلبات إتقان هذا الجانب، ولن أتطرق للصفات الذاتية في الداعية

(1) سورة محمد، الآية 19.

(2) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب العلم قبل القول و العمل، 1/ 37.

(3) عمدة القاري، العيني، 2/ 476.

(4) فتح الباري، ابن حجر، 1/ 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت