إليه، ولا أنه مما أمر الله تعالى به عباده لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب، وما لم يكن من الواجبات والمستحبات فليس هو محمودًا، ولا حسنة، ولا طاعة، ولا عبادة باتفاق المسلمين) [1] .
و إن من أخطر ما تتعرض له الدعوة تسنمُ مهامها من ليس أهلًا لها من الجهال، والمتعالمين، و الدخلاء، وهؤلاء و إن كانوا يريدون خيرًا إلا أنهم يضرون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فالدعوة إلى الله أشرف الطاعات و أفضل القربات وعلى ذلك فاتباع المنهج النبوي فيها أمر و اجب يجب على الدعاة إلى الله تعالى إتقانه، ومخالفة المنهج فيها ابتداع يجب الحذر منه، لأن نتائجه غير محمودة. وفي أحداث الواقع وما يجري في هذا العصر من أخطاء المنتسبين للدعوة شاهد على ذلك. وفي قول رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" [2] دليل على هذه الآفة الخطيرة، فإن مدعي ما ليس عنده، والمظهر خلاف الحقيقة لابس ثوب زور. قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ: (لا آفة على العلومِ و أهلِها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، و يظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويُقدِّرون أنهم يصلحون) [3] . وقيل: إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بالعجائب [4] .
ثالثًا: استشعار أهمية الدعوة إلى الله وإشغال الفكر بها والتهيئة النفسية لها
جاء في الحديث عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ:"كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ. و في رواية: إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ" [5] ، عند تأمُل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - السابق نجد أن هؤلاء المعذورين لم يؤانسهم عذرهم الشرعي وهو المرض، وينصرفوا في همومهم الشخصية، وضيعاتهم ... و أهليهم، و إنما أشغلوا كامل فكرهم وهمهم بتتبع وتحري أخبار المجاهدين، والشوق إلى أخبارهم، وتمني مصاحبتهم، والدعاء لهم. هذا الهم يجب أن يحمله الداعية الصادق فهو
(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 11/ 620 ـ 635 باختصار.
(2) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل،، رقم 4818.
(3) نقلًا من: المجموعة العلمية، مسألة التعالم، د / بكر أبو زيد، ص 9.
(4) انظر: المرجع السابق، ص 8.
(5) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر، رقم 3534.