شَهِيدًا [1] ، قال لى: حسبك. فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان من البكاء. وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ... ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا ... وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك، وقد مدح الله أهل هذا السماع المقبلين عليه، وذم المعرضين عنه وأخبر أنه سبب الرحمة فقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [2] ، .... وقال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [3] ... ومثل هذا في القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة ويأمرهم بسماع ذلك. .... وإنما حدث سماع الأبيات بعد هذه القرون فأنكره الأئمة حتى قال الشافعي ـ رحمه الله ـ: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يزعمون أنه يرقق القلوب ويصدون به الناس عن القرآن. وسُئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عنه فقال: محدث. فقيل له: أنجلس معهم فيه؟ فقال: لا يجلس معهم. والتغبير هو الضرب بالقضيب على جلودهم من أمثل أنواع السماع وقد كرهه الأئمة فكيف بغيره ...
وقول السائل وغيره هل هو حلال أو حرام لفظ مجمل فيه تلبيس يشتبه الحكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه وذلك أن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين: أحدهما: أنه هل هو محرم أو غير محرم بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التى تلتذ بها النفوس وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله، و النوع الثانى: أن يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب وتجريد حب العباد لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم
وأن تحرك من القلوب الخشية والإنابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو من جنس العبادات والطاعات لا من جنس اللعب والملهيات فيجب الفرق بين سماع المتقربين وسماع المتلعبين وبين السماع الذى يفعله الناس في الأعراس والأفراح ونحو ذلك من العادات وبين
(1) سورة النساء، الآية 41.
(2) سورة الأعراف، الآية 204.
(3) سورة الأنفال، الآية 23.