تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ، قَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنه - ا: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [1] قَالَتْ: فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ" [2] . قال ابن حجر ـ رحمه ... الله ـ: (في الحديث ما كان عند عائشة - رضي الله عنه - ا من الحرص على تفهم معاني الحديث، و أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم) [3] ."
وكان السلف يصفون المؤلفات الجيدة بقولهم غاية في الإتقان، و في الرجال يقولون من أهل الإتقان أو متقن أو غاية في الإتقان. ومن ذلك أن الحاكم ـ رحمه الله ـ أخرج حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - ا"أنه حدث يومًا: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارتعد و ارتعدت ثيابه ثم قال: أو نحو هذا"ثم علق عليه قائلًا: (هذا حديث من أصول التوقي عن كثرة الرواية و الحث على الإتقان فيه) [4] . و قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرحه لحديث"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِأُبَيٍّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ. قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ. قَالَ: اللَّهُ سَمَّاكَ لِي قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي" [5] ، قال: (واختلفوا في الحكمة في قراءته على أُبي، والمختار أن سببها أن تستن الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل ويتعلموا آداب القراءة ولا يأنف أحد من ذلك) [6] . وقال أيضًا: (اعلم أن مسلمًا رحمه الله سلك في هذا الكتاب طريقة في الإتقان والاحتياط والتدقيق والتحقيق) [7] .وقال أيضًا: (وقد أتقن رحمه الله تعالى هذا الإسناد غاية الإتقان) [8] . و قال ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ: (فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكنه لم يكن من أهل الإتقان) [9] .
(1) سورة الإنشقاق، 8.
(2) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، 1/ 51، رقم 103.
(3) فتح الباري، ابن حجر، 1/ 260.
(4) المستدرك على الصحيحين، الحاكم، 1/ 193، رقم 376، 377.
(5) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل، رقم 1330
(6) شرح النووي على صحيح مسلم، 15/ 180.
(7) المرجع السابق، 18/ 17.
(8) المرجع السابق، 11/ 32.
(9) مقدمة ابن الصلاح، ص 35.