تحت الأقسام السابقة فهنا وقع خلاف بين أهل العلم في حكمها هذه الأفعال المجردة علام تحمل أصالة؟ على الوجوب أم على الندب أم على التوقيف؟ هذا هو المعني بقول صاحب المتن فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا وهؤلاء الأصحاب مجموعة من الشافعية كأبي سعيد الأصطخري وابن سريج وابن خيران وابن أبي هريرة وقول الإمام أحمد وأكثر أصحابه. ومنهم من يحملها على الندب فقد قال إمام الحرمين في البرهان وفي كلام الشافعي ما يدل عليه وقال في التلخيص وإليه صار أصحاب الشافعي وهو رواية عن أحمد ونقله الشيرازي في التبصرة عن الصيرفي والقفال وأبي حامد من علماء الشافعية واختاره إمام الحرمين في البرهان وقال: الأصل فيه الندب. ومنهم من يتوقف فيه وهو قول الشيرازي والغزالي والرازي صاحب المحصول والصيرفي والدقاق من علماء الشافعية والكرخي من الحنفية ورواية أيضا عن أحمد وصحح هذه الرواية وصحح هذا الاختيار الباقلاني.
وجنح الشوكاني إلى القول بالوجوب وقال الوجوب أي وجوب اتباع الفعل أما عين الفعل فيبقى حكمه إما على الندب أو على السنية، يعني بمعنى أننا لو أردنا أن نقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في فعل مجرد فلسنا مخيرين بأن نفعل في العبادة غير فعله وغير هيئته فالعبادة على صفة فعله أمر واجب وهذا صحيح لكن أصل العبادة لها أحكامها المقررة من الشريعة فنحن نقول مثلا الأخذ بخبر الآحاد واجب أي لا يجوز أن نعطله أو نقول ليس بحجة مع أن الحديث قد يدلل على المباح.
القول بأن الفعل المجرد يحمل على الوجوب هو الصواب على معنى أن من عبد الله عز وجل فهو ليس مخير بين أن يأخذ بهديه أم لا لكن التلبس بهذا الفعل يعرض على الشريعة فإن كان مسنونا و أردت أن تعبد الله فيه فيجب عليك أن تصلي ركعتي السنة على الهيئة التي صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن حكم الركعتين سنة إن لم تفعلهما فأنت لست آثما وليس هذا ببعيد عندي أن يكون هو المعنى بقول الله تعالى"وما آتاكم الرسول ..."الآية أي خذوه بهيئته فيجب عليكم فأصبح للآية ثلاث توجيهات: الأول، خاص بالأموال الثاني، ما آتاكم بالأقوال الثالث، الأقوال و الأفعال في طريقة وهيئة التعبد أما أصل الفعل فيختلف فما كان مندوبا فمندوب وما كان واجبا فواجب وهكذا.
قال الماتن: فإن كان (أي الفعل) على وجه غير القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا.
إن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا على غير العبادة أي فعل جبلي فهذا المعنى يدلل على الإباحة في حقه وحقنا وهنا لفتة ينبغي أن نزيد إيضاحها وقد أومأت إليها وهي الأصل أن نجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فعل ما فيه عقاب أو عتاب وعن فعل المحرم و المكروه.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أشياء كثيرة وفعلها وكثير من العلماء يحملون فعله من أجل إنزال النهي من الحرمة إلى الكراهة وهذا المسلك إن جاز فإنما يجوز عند المضايق وإلا الأصل أن نحمل نهيه على حالة و أن نحمل فعله على حالة أخرى، مثال في الصحيحين نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستلقي الرجل على ظهره في المسجد وأن يضع رجله فوق الأخرى وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، فبعض أهل العلم قالوا إن المراد بفعله أن يبين لنا أن ذاك النهي ليس حراما بل مكروه وهذا ليس بحسن والأحسن منه أن نقول: إن الاستلقاء على الظهر ووضع الرجل فوق الرجل مع احتمال كشف العورة حرام وإن أمنت كشف العورة فمباح يعني نتعلق بالمعاني والله أعلم.