الحكمة في اختيار المدينة المنورة موضعًا للجامعة الإسلامية:
تُعَدُّ الجامعة الإسلامية: الأولى من نوعها في المملكة العربية السعودية، ولا يعني هذا أنها أسست قبل جامعة الملك سعود [1] ، بل هي بعدها في تاريخ التأسيس، ولكنها الأولى من نوعها كمنحة ملكية كريمة لأبناء العالم الإسلامي، يظهر هذا في تخصيص نسبة القبول لغير السعوديين
فيها بنسبة 85?وللسعوديين بـ 15? [2] ، أي أنها مؤسسة عالمية من حيث رسالتها، سعودية من حيث تبعيتها، كما سيتضح هذا في المبحث التالي - إن شاء الله تعالى-، وكان الهدف من تحديد هذه النسبة: إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من أبناء الشعوب الإسلامية، وغيرهم؛ لينضموا في سلكها، وينهلوا من معين العلم في منبعه الصافي.
وتظهر الحكمة جلية في اختيار مكان الجامعة وهو المدينة المنورة؛ إذ هي مقر الهجرة ومنبع الرسالة إلى العالم أجمع؛ فباختيارها؛ تجديد لمواصلة رسالتها التي بدأت منها، وإشارة لكونها منبع الإيمان، ومأرزه، وأن لتلقي أبناء المسلمين العلم منها: قوة لقبوله ونشره بين أهليهم، كيف لا وهي مدينة سيد المرسلين، وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، كما أن في هذا إعادة لمجدها التليد، حيث خرج منها دعاة الإسلام الأول - صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم -، ونشروا دعوة الإسلام في كل ما وطئته أقدامهم، حتى صاروا قدوة يستضاء بها، فكما تخرج منها الرعيل الأول، يتخرج منها في هذا العهد السعودي الزاهر من يكون داعية على منهاج النبوة من منابعه الأصيلة مكانًا وعلمًا، ويكون قدوة لمن يأتي بعدهم. فكان من الحكمة اختيار المدينة موضعًا للجامعة الإسلامية، لوجود المسجد النبوي الشريف، فكما يقصد طلاب العلم المدينة من شتى أنحاء العالم، للعلم بالدرجة الأولى، فإنه يقصد هذا المشعر المقدس، الذي تكون الصلاة فيه بألف صلاة عما سواه إلا المسجد الحرام، فيكسب بذلك تجارتين عظيمتين: تجارة العلم، وتجارة الصلاة الفاضلة، وقد تبيَّن فضل الصلاة في هذه الأماكن من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" [3] ، والداخل للمسجد النبوي لا يخلوا شعوره عن تذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وطالب العلم أحرى بذلك الشعور؛ إذ يكون شحذًا لهمته في أن يبتغي بعلمه الدار الآخرة، وأن يخلص في طلب العلم ابتغاء وجه الله؛ تأسيًا وإقتداءً.
كما أن جوّ المدينة أفضل الأجواء - وقت الدراسة - في المملكة العربية السعودية، وأقربها من قارة أفريقيا، وآسيا، وغيرها من بلدان العالم بالنسبة لمدن المملكة الأخرى؛ الأمر الذي يجعل من اختيارها عاملًا مهمًا علاوة على ما سبق.
الحكمة في اختيار ضفاف وادي العقيق مقرًا للجامعة الإسلامية بالمدينة:
كما تجلت الحكمة من اختيار المدينة المنورة موضعًا للجامعة الإسلامية، فإن هناك حكمة من اختيار موقعها بالمدينة المنورة؛ ذلك أن جلالة الملك سعود - رحمه الله - أراد دعم الجامعة الإسلامية على نفقته الخاصة، وفيه دليل على سخاء نفسه، وبذله الغالي والنفيس في سبيل العلم، والدعوة إلى الله، حيث تبرع لها بقصر من قصوره، في سلطانة، وعلى ضفاف وادي العقيق، فهو من أفضل أجواء المدينة، وأفسحها مكانًا، وبالتالي فهو جو مهيأ للدراسة؛ لبعده عن صخب المدينة، وضوضائها، وحسبك في هذا الاختيار أنه اختيار موفق لجو دراسي.
ومن الطريف في الأمر: أن الكاتب الأستاذ: أحمد عبد الله الفاسي لما كتب يدعو لفكرة إنشاء الجامعة الإسلامية، وأن تكون المدينة المنورة مقرًا لها - كما سلف: ضمَّن دعوته [4] في الوقت نفسه رجاءً لجلالة الملك: أن تكون أحد قصوره مقرًا لها، فتجرأت جريدة المدينة وحذفت الفقرة التي فيها رجاء الفاسي، وكاتبت الكاتب بما يفيد: أن أهل المدينة هم الذين ألَحُّوا على صاحب الجلالة لبناء قصوره بالمدينة، فكيف يطلبون أن تكون الجامعة مقرًا لها؟، واقترحت على الكاتب أن يتجه بدعوته في مقر الجامعة إلى مبنى الفندق الكبير في باب قباء مقرًا للجامعة، فكان جواب الكاتب: أن صاحب الجلالة لا يبخل بأثمن شيء لديه في خدمة الإسلام والمسلمين، ونشر العلم، وأن صاحب الجلالة سيأمر بتأسيس الجامعة، وجعلها في أحد قصوره، وأنه يتطلع إلى الموافقة من جلالته هذه الأيام وقد كان ما ظنه الأستاذ الفاسي في جلالة الملك المعظم.
ولما كانت المسافة بين الجامعة الإسلامية والحرم النبوي بعيدة على الأقدام، أُعِدَّت حافلات لنقل الطلاب من الجامعة إلى الحرم، ومنه إلى الجامعة، كل ذلك على نفقة المملكة العربية السعودية:
(1) تأسست جامعة الملك سعود بناء على المرسوم الملكي رقم 17 في تاريخ 21/ 4/1377 هـ. ينظر: التعليم العالي في المملكة العربية السعودية - تقرير دوري من وزارة التعليم العالي لعام 1403 هـ - 1983 م؛ وينظر: الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية أصولها- جذورها- أولياتها 1/ 473؛ حيث أورد نص المرسوم الملكي الرائع.
(2) اللائحة التنفيذية للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 23.
صادق على هذه اللائحة: المجلس الأعلى للجامعة رقم 36، في دورته الرابعة، المنعقدة في المدة 16 - 18/ 7/1397 هـ.
(3) متفق عليه، صحيح البخاري 1/ 398؛ صحيح مسلم 1/ 1012 وله عدة روايات أخرى؛ ينظر: 2/ 1013، 1014.
(4) جريدة المدينة، العدد 891، الجمعة 18/ 3/1380 هـ.