التاريخية وكتب الفقه وكتب الأنساب ومعاجم اللغة .. الخ.
ولا شك أن استيعاب هذه المصادر عند دراسة السيرة يعطي (أكمل صورة ممكنة) وهي صورة واضحة فيها كثير من التفاصيل.
وسأحاول إعطاء فكرة عن هذه المصادر وقيمتها وكيفية استعمالها، وأول ما ينبغي أن يلتفت إليه الباحث أن هذه المصادر تتباين قوة وضعفًا و أصالة ووضعًا، لذلك لا ينبغي أن توضع في مصاف واحد و تعامل على السواء، فلا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ أو الأدب [1] ، فلا بد إذًا من تقويم هذه المصادر ووضعها في الموضع الذي تستحق. ويقف القرآن الكريم في مقدمة مصادر السيرة [2] ، والقرآن هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لفظًا ومعنىً بطريق الوحي، ويتضمن بيان العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية، وترد فيه آيات الأحكام ذات الأهمية الكبيرة في بيان النظم الإسلامية ونشأتها فهي تلقي ضوءًا على التشريعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عمل بمقتضاها النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الدولة الإسلامية الأولى.
وفي القرآن الكريم ذكر لبعض الأحداث التاريخية في عصر السيرة مثل بدر، أحد، الخندق، حنين [3] ، حيث يصور الظروف والأجواء العامة التي وقعت فيها الغزوات والأحداث الأخرى الهامة، وخاصة الأبعاد النفسية مما لا نستطيع الحصول عليه - بالدقة والصدق التي ترد في القرآن الكريم - من المصادر الأخرى.
وكذلك نجد فيه تصويرًا دقيقًا للصراع الفكري والمادي بين المسلمين واليهود في الحجاز [4] وبإشارة القرآن الكريم إلى الأمم الماضية وسَّع النظرة التاريخية عند المسلمين فشملت دراساتهم التاريخية الأنبياء السابقين والأمم الماضية، وبتطرقه إلى أحداث خارج شبه الجزيرة العربية كالصراع بين الروم والفرس جعلهم يهتمون بالتاريخ العالمي فيسجلون أخبار الروم والفرس والترك والأحباش وغيرها [5] .
ولكن ينبغي أن لا نتوقع ورود تفاصيل عن الأحداث التاريخية في القرآن الكريم لأنه ليس كتابًا في التاريخ بل هو دستور للحياة، ثم إن هناك صعوبة في معرفة أسباب ووقت نزول كثير من الآيات، إما لعدم ورود روايات في ذلك أو لتضارب الروايات الواردة [6] مما يحتاج إلى تحقيق لتمييز الروايات الصحيحة أولًا ثم إزالة التعارض إن وجد بعد ذلك.
وينبغي التفطن إلى أن الإفادة التامة من القرآن الكريم لا تتم إلا بالرجوع إلى كتب التفسير الموثقة، وخاصة التفسير بالمأثور مثل تفسير الطبري وتفسير ابن كثير، وينبغي أيضًا الرجوع إلى كتب الناسخ والمنسوخ، وكتب أسباب النزول وغيرها مما يتصل بالقرآن وعلومه.
إن بعض المؤرخين المعاصرين يأنفون من الرجوع إلى هذه المؤلفات، ويعتمدون على ذوقهم في فهم أساليب اللغة ومعانيها مما يؤدي بهم إلى الوقوع في أخطاء كبيرة، مثل تفسير المستشرقين لقوله تعالى: [هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم] حيث ذهبوا إلى أن الأمية هنا تعني الجهل بالدين لا الكتابة، في حين أن القرآن الكريم وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه (النبي الأمي) ولا يعقل أن يكون النبي جاهلًا بالدين [7] !!!
إن النزاهة العلمية تقتضي الرجوع إلى كتب التفسير الموثقة وإعطاء النصوص القرآنية معانيها الصحيحة المرادة، وليس تأويلها تبعًا للهوى رغبة في دعم رأي أو مذهب، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله:"من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار" [8] .
أما عن أهمية الحديث في دراسة السيرة المطهرة، فإن الأحاديث توضح العقائد والآداب الإسلامية، وتبين أحاديث الأحكام النواحي العبادية والتشريعية من صوم وصلاة وحج وزكاة ونظم سياسية ومالية وإدارية، ولا يمكن تكامل تصور الإسلام إلا بمعرفة الحديث، ولكل هذه الجوانب التي تناولتها الأحاديث صلة
(1) ممن وقع في هذا الخطأ أبو رية في كتابه (أضواء على السنة المحمدية) وانظر التنبيه عليه في (مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 293 - 294) .
وانتقد جواد علي كلا من المستشرقين شبرنكر وكايتاني لاعتمادهما على الشاذ والغريب والضعيف والروايات المتأخرة وتقديمهما ذلك على الروايات المعتبرة في دراستيهما للسيرة بغية إثارة التشكيك فيها (جواد علي: تاريخ العرب في الإسلام، السيرة النبوية ص 9 - 11) .
(2) حلل محمد عزت دروزة الآيات القرآنية المتعلقة بالسيرة في كتابه"سيرة الرسول".
(3) نجد تفصيلًا عن بدر في سورة الأنفال، وعن أحد في سورة آل عمران، وعن الخندق في سورة الأحزاب، وعن حنين في سورة التوبة، كما أشارت آيات في سور أخرى إلى هذه الغزوات.
(4) انظر عن الصراع الفكري سورة البقرة، وعن الصراع المادي سورة الحشر والأحزاب مثلا.
(5) الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب ص 18، 51.
(6) صالح العلي: محاضرات في تاريخ العرب قبل الإسلام (فصل المصادر) .
(7) صبحي الصالح: علوم الحديث ص 15 - 16.
(8) مقدمة تفسير ابن كثير.