بين بنود الوثيقتين، بل ذكرت بنود كل وثيقة مجتمعة ومتسلسلة ولا يتعارض مع هذا القول ورود البند رقم (16) خلال بنود وثيقة المهاجرين والأنصار مع أنه يتعلق باليهود إذ هو يؤكد على التزام المسلمين بالعد تجاه حلفائهم اليهود، فلا يشترط أن يكون ضمن بنود وثيقة موادعة اليهود.
ويدل أحد بنود الوثيقة (رقم 24) على أن اليهود التزموا بدفع قسط من نفقات الحرب الدفاعية عن المدينة (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين) وقد ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام إلى أن التزامات اليهود المالية لا تقتصر على الحرب الدفاعية، فهو يرى أن اليهود كانوا يغزون مع المسلمين أيضًا، قال أبو عبيد"ونرى أنه إنما كان سيهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم من النفقة، ولو لا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم" [1] . وذكر أبو عبيد"حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن يزيد بن يزيد بن جابر عن الزهري قال: كان اليهود يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسهم لهم" [2] . وهذا الحديث من مراسيل الزهري لا يحتج به، وقد رويت أحاديث أخرى في اشتراك اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، وهي بالإضافة إلى ما تقدم:
حديث"استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهود قينقاع، الذي ورد من طريق الحسن بن عمارة، وقد خرجه أبو يوسف [3] والبيهقي، وذكر البيهقي أن الحسن بن عمارة، متروك" [4] ورغم أن الحسن بن عمارة غير متفق على تضعيفه لكن أكثر جهابذة المحدثين يضعفونه حتى حكى السهيلي إجماعهم على ذلك [5] .
حديث"أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه"أخرجه الترمذي [6] من طريق الزهري مرسلًا وقال إنه حديث حسن غريب والقاعدة أن مراسل الزهري لا يحتج بها.
حديث"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو باليهود" [7] وهو من مراسيل الزهري لا يحتج به.
حديث"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بناس من اليهود"أخرجه البيهقي [8] وقال هذا منقطع. وهو من مراسيل الزهري أيضًا.
حديث"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة من يهود المدينة غزاهم بهم خيبر"أورده الواقدي [9] وهو ضعيف وعنه البيهقي [10] والزيلعي [11] .
حديث"أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل معه قوم من اليهود في بعض حروبه فأسهم لهم مع المسلمين"خرجه الخطيب البغدادي [12] عن أبي هريرة (رض) ، لكن إسناده ضعيف سقط منه بعض الرواة.
وهكذا يتبين أن سائر الأحاديث المروية عن اشتراك اليهود مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحروب ضعيفة. وقد وردت أحاديث تدل على منع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود من الاشتراك مع المسلمين في الحروب وهي:
1 -أخرج أبو عبد الله الحاكم [13] حديثًا عن أبي حميد الساعدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة، قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنو قينقاع، وهو رهط عبد الله بن سلام، قال: وأسلموا؟ قالوا: لا بل هم على دينهم. قال: قولوا لهم:"فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين".
وقد رواه الحاكم كشاهد لحديث آخر رواه، وفيه"فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين"وقال الحاكم عنه"صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقد روى الحديث نفسه على أنه في غزوة أحد، في حين أن
(1) أبو عبيد: الأموال 296.
(2) أبو عبيد: الأموال 296.
(3) أبو يوسف: الرد على سير الأوزاعي ص 40.
(4) البيهقي: سنن 9/ 53.
(5) العسقلاني: تهذيب التهذيب 2/ 304 - 308.
(6) الترمذي: سنن 7/ 49.
(7) الزيلعي: نصب الراية 3/ 422.
(8) البيهقي: سنن 9/ 53.
(9) الواقدي: كتاب المغازي 2/ 684.
(10) البيهقي: سنن 9/ 53 وقال هذا منقطع وإسناده ضعيف.
(11) الزيلعي: نصب الراية 3/ 422.
(12) الخطيب: تاريخ بغداد 4/ 160 قال:"أخبرني الحسن بن علي بن عبد الله المقريء حدثنا أحمد بن الفرج الوراق حدثنا أبو بكر أحمد بن (الردين) قال (الرذين) قريء على رزق الله بن موسى وأنا أسمع قال حدثينا سفيان بن عيينة عن يزيد بن يزيد جابر عن أبي هريرة. ومن الواضح أن يزيد بن يزيد ين جابر لم يلق أبا هريرة فقد ولد يزيد في حدود سنة 77 هـ في حين توفي أبو هريرة سنة 57 هـ".
(13) الحاكم: المستدرك على الصحيحين 2/ 122.