فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
الصفحة 25 من 64

تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [1] .

وقد وضع القرآن الكريم مصالح المسلم وعلاقاته الدنيوية كلها في كفة ووضع حب الله ورسوله والجهاد في سبيل العقيدة في كفة أخرى، وحذر المؤمنين وتوعدهم إن هم غلَّبوا مصالحهم وعلاقاتهم الاجتماعية على مصلحة العقيدة قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [2] . وقد نزلت هذه الآيات من سورة التوبة في الحض على الهجرة إلى المدينة المنورة للدفاع عن الدولة الإسلامية التي نشأت فيها .. وقد نجح الصحابة الكرام في امتحان العقيدة .. ففارقوا الأهل والأموال والمساكن التي يحبونها وهاجروا إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله.

وخلاصة القول أن المجتمع المدني الذي أقامه الإسلام كان مجتمعا عقديًا يرتبط بالإسلام، ولا يعرف الموالاة إلا لله ولرسوله وللمؤمنين. وهو أعلى أنواع الارتباط وأرقاها إذ يتصل بوحدة العقيدة والفكر والروح فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. وهذا المجتمع مفتوح لمن أراد أن ينتمي إليه مهما كان لونه أو جنسه على أن ينخلع من صفاته الجاهلية ويكتسب الشخصية الإسلامية ليتمتع بسائر حقوق المسلمين.

الحب أساس بنية المجتمع المدني

وقد أقام الإسلام المجتمع المدني على أساس الحب والتكافل، كما في الحديث الشريف"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم مثل الجسد الواحد إذا شتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"فالتواد الرحمة والتواصل أساس العلاقة بين أفراد المجتمع كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم حاكمهم ومحكومهم.

وقد تكفلت تعاليم الإسلام بتدعيم الحب وإشاعته في المجتمع، ففي الحديث نبوي"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"فيعيش المؤمنون بعيدًا عن الأثرة والاستغلال وهم يتعاونون في مواجهة أعباء الحياة فمن (كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي والإمام أحمد (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) كما في الحديث الذي أخرجه الترمذي وأبو داود.

وعلاقات المؤمنين قائمة على الاحترام المتبادل فلا يستعلي غني على فقير ولا حاكم على محكوم ولا قوي على ضعيف"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم""رواه الإمام مسلم".

وقد تفتر العلاقة بين المسلم وأخيه أو تنقطع ساعة غضب لكن انقطاعها لا يستمر فوق ثلاث ليال"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"كما في الصحيحين.

وتدعم أسس الحب بالصلة والصدقة (تهادوا تحابوا) ويضع الغني أمواله في خدمة المجتمع وسد الثغرات التي تظهر في بنائه الاقتصادي بسبب التفاوت في توزيع الثروة فيخرج زكاة أمواله فريضة من الله ويواسي المحتاجين بأمواله حتى أنهم ليفرحون إذا كثرت ثروته إذ تعود عليهم بالخير والمواساة.

أخرج الإمام البخاري 6/ 31 كتاب التفسير) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلًا، وكان أحب أمواله بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [3] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إليّ(بيرحاء) وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ذلك مال رايح [4] ، ذلك مال رايح، وقد سمعت ما قلت وإني أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه"."

وكان أغنياء الصحابة يعرفون أنهم مستخلفون على المال الذي اكتسبوه، فإذا وجدوا ثغرة تعجز الدولة عن سدها أو لا تنتبه لها بذلوا أموالهم في سدها .. وقد ثبت في التاريخ أن عثمان رضي الله عنه تصدق بقافلة ضخمة - ألف بعير تحمل البر والزيت والزبيب - على فقراء المسلمين عندما حلت الضائقة الاقتصادية

(1) سورة التوبة 23.

(2) سورة التوبة 24.

(3) آل عمران آية 92.

(4) أي أن أجرها يروح ويغدو عليه (فتح الباري 3/ 326) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت