على كل حال لا نريد أن ندخل في تفاصيل هذه المسألة.
المهم أن نعرف أن الشاذ المقصود بالتعريف ليس هو الشاذ الذي عَرَّفه به الحافظ بن حجر، وإنما هو القسم الثاني من الشاذ الذي ذكره ابن الصلاح، وهذا لا شك أنه شرط في الصحة وقد أعلَّ الإمام البخاري أحاديث فيما نقل عنه الترمذي وفي كتابه التاريخ الكبير بالتفرد فدلَّ ذلك على أن هذا شرطًا عنده في قبول الحديث أن الراوي إذا تفرد ولم يقع في ضبطه وإتقانه ما يجبر تفرده أن هذا داعٍ لرد الحديث، وما دام أن الإمام البخاري كان متبع لهذا المنهج فلا يمكن أن يصحح حديثًا هو نفسه يعل ما شابهه ونَاظَره لتحقق هذا النوع من أنواع الشذوذ فيه.
يبقى الشرط الأخير: اشتراط"عدم العلة".
لاشك أيضًا أن هذا الشرط واضح عند جميع المحدثين وقد ملأ الإمام البخاري كتابه التاريخ الكبير ببيان العلل وبرد الأحاديث بأمثال هذه العلل، وهذا أمر لا يخفى على الإمام البخاري، وسيأتي أنه حتى في صحيحه نبه على بعض العلل في صحيحه، لكن قبل أن نأتي للأمثلة نذكر عبارة للحَاكِم فيها شيء من الإشكال لأنه ما دام تطرقنا للكلام عن العلل لابد أن نذكر الأشياء التي قد يتمسك بها من يظن أن الإمام البخاري لم يشترط هذا الشرط، لمَّا ألَّف الإمام الحاكم أبو عبد الله كتابه المستدرك على الصحيحين والذي سيأتي الكلام عنه.
قال في مقدمة هذا الكتاب وَهو يَتَكَلَّم عَنْ شَرطِهِ فيه قَالَ:
"أَنْ أَجْمَعَ كتابًا يَشْتَمِل عَلَى الأَحَادِيث المْرَوية بِأَسَانيد يَحْتَج مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيل وَمُسْلِم بْنُ الْحَجْاج بِمِثْلِهَا، إِذْ لَا سَبِيل إِلى إِخْراج مَا لَا عِلَة لَهُ، فَإِنَهما رَحِمَهُمَا الله لَمْ يَدَّعِيا ذَلِكَ لِأَنْفََُسِهِمَا".
هنا الإشكال؛ أيش ظاهر هذه العبارة؟
يقول: أنا سأخرج أحاديث أخرج البخاري ومسلم أمثالها - يعني هي على شرط البخاري ومسلم- ثم يقول: وإن كان لبعض هذه الأحاديث علل، قال: سأخرجها، ثم يبين لما أخرجها مع أنها علل، قال: لأن حتى البخاري ومسلم ما ادعيا أن الأحاديث الموجودة في كتابيهما لا علة لها.
معنى ذلك: أن هناك يعني الحاكم يعتبر أن اشتراط انتفاء العلة ليس شرطًا في صحيح البخاري هذا ظاهر العبارة، هل يمكن أن يقصد الحاكم هذه العبارة؟
-لا يمكن أبدًا؛ الحاكم إمام ويعرف أن اشتراط العلة، انتفاء العلة شرط أكيد في الحديث الصحيح، وقد صَرَّح بذلك، فليست قضية إحسان ظن به، مع أنه أهل لإحسان الظن، لكن أيضًا صرح بهذا الشرط في