وهناك دورة سابقة كانت قبل أسابيع من الآن عنوانها كعنوان هذه الدورة، لكن مضمونها مختلف تمامًا عن مضمون هذه الدورة، وكانت في مكة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا، كانت حول تاريخ التصنيف أو تاريخ وجود التصنيف في السنة النبوية، وهناك تكلمت عن مصادر السنة لا من جهة أنواع التصنيف كما أنني أفعله الآن، وإنما عن طريقة نُشوء التصنيف؛ ما هي أوائل المصنفات في السنة؟ ما هي أسباب وجود هذه المصنفات؟ ما هي الأغراض التي حَرَّفَتْها في كل فترة من الفترات؟ وهكذا؛ عَرْضٌ تاريخي لمصنفات السنة.
أما الذي ننوي أن نقوله في هذه اللقاءات فهو: الكلام عن مصادر السنة ووجوه تصنيفها، وأهم المؤلفات لكل وجه من وجوه التصنيف ومنهج هذه المؤلفات.
فإذا أتينا إلى الكتب الصحاح لا شك أَنَّ قمة كتب الصحاح ما هو؟
-"صحيح البخاري"، أصلًا إذا قلنا مصادر السنة أول ما يبتدر بالذهن كتاب الإمام البخاري عليه رحمة الله، فهو أول كتاب سنحاول أن نتعرف عليه وعلى منهجه بشيء مما يُعين على الاستفادة من هذا الكتاب الاستفادة الصحيحة الكاملة بإذن الله تعالى قدر المستطاع وحسب ما يسمح به الوقت.
نبتدئ كالعادة بإعطاء نُبذة سريعة عن الإمام البخاري وإن كان الإمام البخاري معروفًا عند طلبة العلم، لكن لا بد أن نذكر هذا الإمام بشيء من الترجمة وفاءً بحقه في أقل تقدير.
فهو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بَرْدِزْبَة الجعفي مولاهم البخاري.
كما ترون هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة؛ أسماء عربية، هؤلاء الأجداد كلهم مسلمون، بردزبة: هو الذي كان على المجوسية ومات على المجوسية؛ لأن الديانة التي كانت شائعة في بخارى قبل دخول الإسلام إليها كانت هي المجوسية.
والمغيرة جَدُّ أو أبي جَدِّ الإمام البخاري، أسلم على يَدِ رجل يقال له اليمان الجعفي، ولذلك يقال للإمام البخاري: الجعفي مولاه؛ لأن الولاء يكون لأحد ثلاثة أسباب.
يُنسب الإنسان إلى القبيلة ولاءً لأحد ثلاثة الأسباب:
1 -إما بالعتق: أن يكون عبدًا رقيقًا فيُعتقه سيدُه فيُنسب إلى سيده ولاءً.
2 -أو بالحِلف: أن تكون قبيلة حالفت قبيلة فيُنسب إلى القبيلة التي حالفها.
3 -أو بالإسلام: وهذه فيها خلاف عند أهل العلم، لكن قالوا تُلحق بعتق الرقبة؛ لأن الذي أسلم على يديه رجل كأنه أعتقه من النار، ولذلك استحَق أن يكون سيدً ا له.