ولهذا جعل الفقهاء من موجبات التخفيف: عموم البلوى بالشيء مراعاة لحال الناس ورفقًا بهم، هذا بالإضافة إلى أن عصرنا الحاضر خاصة أحوج ما يكون إلى التيسير والرفق بأهله.
على أن مما ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن الاتجاه في كل أمر إلى الأخذ بالأحوط دون الأيسر أو الأرفق أو الأعدل، قد ينتهي بنا إلى جعل أحكام الدين مجموعة"أحوطيات"تجافي روح اليسير والسماحة التي قام عليها هذا الدين. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"بعثت بحنيفية سمحة"."إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"
والمنهج الذي نختاره في هذه الأمور هو التوسط والاعتدال بين المتزمتين والمتهاونين."وكذلك جعلناكم أمة وسطًا"
هذا وقد أورد الدكتور محمد علي البار في بحثه [1] أن الشيخ عبد اللطيف حمزة مفتي مصر أفتى بأنه لا تحرم رضاعة أي طفل من (لبن البنوك) واستند المفتي في قوله إلى مذهب أبي حنيفة الذي ينص على أن الرضاعَ لا يحرم إلا إذا تحققت شروطه، ومنها: أن يكون اللبن الذي يتناوله الطفل لبن امرأة وأن يصل إلى جوفه عن طريق الفم ولا يكون مخلوطًا بغيره كالماء أو الدواء أو لبن الشاة أو بجامد من أنواع الطعام أو بلبن امرأة أخرى، فإن خلط بنوع من الطعام، وإن طبخ معه على النار فلا يثبت التحريم باتفاق أئمة المذهب الحنفي .... وإذا لم تمسّه النار فلا يثبت به التحريم أيضًا عند أبي حنيفة سواء أكان الطعام المضاف إليه غالبًا أو مغلوبًا لأنه إذا خلط الجامد بالمائع صار المائع تبعًا فيكون الحكم للمتبوع والعبرة بالغلبة، ولو خلط لبن امرأتين فإن العبرة للغلبة أيهما كان أكثر فإنه يثبت التحريم دون الآخر، وإن استويا ثبت التحريم بهما.
والرضاع لا يثبت بالشك. ولا يحرم اللبن رائبًا أو جبنًا فإن تناوله الصبي لا تثبت به الحرمة لأن اسم الرضاعة لا تقع عليه.
وإذا صار اللبن جافًا مسحوقًا فقد زال عنه اسم اللبن، وإذا خلط بالماء بعد ذلك لم يعد محرمًا.
وإذا جُمع اللبن من نساء غير محصورات ولا متعينات بعد الخلط فلا مانع في رأي المفتي الشيخ عبد اللطيف حمزة من الزواج بين من تناول هذا اللبن لعدم إمكان إثبات التحريم لعدم تعيين مَنْ تبَرَّعنَ باللبن.
(1) . ... مجلة مجمع الفقه الإسلامي: العدد الثاني: ج 1 / ص 403 (1407 هـ/1986 م)