الصفحة 22 من 25

وهل للّبن المشوب المختلط حكم اللبن المحض الخالص؟

ففي مذهب الحنفية قول أبي يوسف - وهو رواية عن أبي حنيفة - أن لبن المرأة إذا اختلط بلبن امرأة أخرى، فالحكم للغالب منهما، لأن منفعة المغلوب لا تظهر في مقابلة الغالب، وهنا لا يُدرى غالبٌ من مغلوب.

والمعروف أن الشك في أمور الرضاعة لا يترتب عليه التحريم، لأن الأصل هو الإباحة فلا ننفيها إلا بيقين.

قال العلامة ابن قدامة في المغني: (وإذا وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو لا؟ لم يثبت التحريم، لأن الأصل عدمه، فلا نزول عن اليقين بالشك، كما لو شك في وجود الطلاق وعدده) .

وفي الاختيار من كتب الحنفية: (امرأة أدخلت ثديها في فم رضيع، ولا يدرى: أَدخلَ اللبنُ في حلقه أم لا؟ لا يحرم النكاح.

وكذا صبية أرضعها بعض أهل القرية، ولا يدرى من هو، فتزوجها رجل من أهل تلك القرية يجوز، لأن إباحة النكاح أصل، فلا يزول بالشك.

قال ويجب على النساء ألا يرضعن كل صبي من غير ضرورة، فإن فعلن فليحفظنه أو يكتبنه احتياطًا.

ولا يخفى أن ما حدث في قضيتنا ليس إرضاعًا في الحقيقة، ولو سلمنا بأنه إرضاع فهو لضرورة قائمة، وحفظه وكتابته غير ممكن، لأنه لغير معيّن، وهو مختلط بغيره.

والاتجاه المرجح عند الشيخ القرضاوي في أمور الرضاعة هو التضييق في التحريم كالتضييق في إيقاع الطلاق وللتوسيع في كليهما أنصار.

ويلخص الأستاذ القرضاوي بحثه بقوله:

إننا لا نجد هنا ما يمنع من إقامة هذا النوع من (بنوك الحليب) ما دام يحقق مصلحة شرعية معتبرة، ويدفع حاجة يجب دفعها. آخذين بقول من ذكرنا من الفقهاء، مؤيدًا بما ذكرنا من أدلة وترجيحات.

وقد يقول بعض الناس: ولما لا نأخذ بالأحوط، ونخرج عن الخلاف والأخذ بالأحوط هو الأورع والأبعد عن الشبهات؟

وأقول: عندما يعمل المرء في خاصة نفسه، فلا بأس أن يأخذ بالأحوط والأورع بل قد يرتقي فيدع ما لا بأس حذرًا مما به بأس.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالعموم وبمصلحة اجتماعية معتبرة، فالأولى بأهل الفتوى أن ييسروا ولا يعسروا، دون تجاوزٍ للنصوص المحكمة، أو القواعد الثابتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت