وهذه الأمومة التي صرح بها القرآن لا تتكون من مجرد أخذ اللبن، بل من الامتصاص والالتصاق الذي يتجلى فيه حنان الأمومة وتعلق البنوة، وعن هذه الأمومة تتفرع الأخوة من الرضاع، فهي الأصل، والباقي تبع لها.
فالواجب الوقوف عند ألفاظ الشارع هنا، وألفاظه كلها تتحدث عن الإرضاع والرضاع والرضاعة، ومعنى هذه الألفاظ في اللغة التي نزل بها القرآن وجاءت بها السنة واضح صريح، لأنها تعني إلقام الثدي والتقامه وامتصاصه، لا مجرد الاغتذاء باللبن بأي وسيلة.
ويتابع الشيخ القرضاوي قوله: ويعجبني موقف الإمام ابن حزم هنا فقد وقف عند مدلول النصوص، ولم يتعدّ حدودها فأصاب المحزّ وَوُفّقَ للصواب. ويَحسنُ بي أن أنقل هنا فقرات من كلامه لما فيه من قوة الإقناع ووضوح الدليل. قال:"وأما صفة الرضاع المحرم، فإنما هو ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفمه فقط، فأما من سقي لبن امرأة من إناء أو حلب في فمه فبلعه أو أطعمه بخبز أو طعام أو صبّ في فمه أو في أنفه أو في أذنه، أو حقن به، فكل ذلك لا يحرم شيئًا ولو كان ذلك غذاؤه دهرَه كله". برهان ذلك قول الله عز وجلّ:"وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة"] سورة النساء الآية: 23 [وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، فلم يحرم الله تعالى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى نكاحًا إلا بالإرضاع، والرضاعة والرضاع فقط.
ولا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع، يقال أرضعته ترضعه إرضاعًا. ولا يسمى رضاعة ولا إرضاعًا إلا إذا أخذ المرضع أو الرضيع بفيهِ الثديَ وامتصاصه إيّاه: تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة.
وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى شيءٌ منه إرضاعًا ولا رضاعة ولا رضاعًا، إنما هو حلب وطعام وإسقاء وشرب وأكل وبلع وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله عزّ وجلّ بهذا شيئًا.""
و يتابع الشيخ القرضاوي كلامه فيقول:(وبهذا نرى أن القول الذي يطمئن إليه القلب، هو ما يتمشى مع ظاهر النصوص التي ناطت كل الأحكام بالإرضاع والرضاع ومعناهما معروف لغة وعرفًا.
كما يتمشى مع الحكمة في التحريم بالرضاع، وهو وجود أمومة تشابه أمومة النسب وعنها تتفرع البنوة والأخوة وسائر القرابات الأخرى.)
ومعلوم أن الرضاع بهذا المعنى في حالة"بنوك الحليب"غير موجود، إنما هو الوجود الذي ذكره الفقهاء، فلا يترتب عليه حينئذ التحريم.
ويناقش الشيخ القرضاوي مسألة الشك في الرضاع بقوله:"إننا لا نعرف مَنْ التي رضع منها الطفل؟ وما مقدار ما رضع من لبنها؟ وهل أخذ من لبنها ما يساوي خمس رضعات مشبعات؟ على ما هو القول المختار الذي دلّ عليه الأثر، ورجحه النظر، وبه ينبت اللحم وينشز العظم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة."