"وإن أدخلهما الإناء قبل أن يغسلهما لم يفسد الماء إذا لم تكن فيهما نجاسة. ويروى عن الحسن البصري أنه قال: (من غمس يده في إناء قبل الغسل أهراق الماء) , وتابعه على ذلك من لا يعتد به. ويحكى عن بعض أصحاب الحديث أنه فصل بين نوم الليل ونوم النهار ; لأنه ينكشف في نوم الليل فلا يأمن أن تقع يده على موضع الاستنجاء , ولا ينكشف في نوم النهار. قال أبو بكر: والذي في حديث علي من صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسقط هذا الاعتبار ويقتضي أن يكون ذلك سنة الوضوء ; لأن عليا كرم الله وجهه صلى الفجر ثم توضأ ليعلمهم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا , فإنه لا يدري أين باتت يده} . قال محمد بن الحسن: كانوا يستنجون بالأحجار , فكان الواحد منهم لا يأمن وقوع يده في حال النوم على موضع الاستنجاء وهناك بلة من عرق أو غيره فتصيبها , فأمر بالاحتياط من تلك النجاسة التي عسى أن تكون قد أصابت يده من موضع الاستنجاء. وقد اتفق الفقهاء على الندب , ومن ذكرنا قوله آنفا فهو شاذ , وظاهر الآية ينفي إيجابه , وهو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [1] فاقتضى الظاهر وجوب غسلهما بعد إدخالهما الإناء ; ومن أوجب غسلهما قبل ذلك فهو زائد في الآية ما ليس فيها , وذلك لا يجوز إلا بنص مثله أو باتفاق , والآية على عمومها فيمن قام من النوم وغيره ; وعلى أنه قد روي أن الآية نزلت فيمن قام من النوم , وقد أطلقت جواز الغسل على سائر الوجوه. وقد روى عطاء بن يسار عن {ابن عباس أنه قال لهم: أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء فاغترف غرفة بيده اليمنى فتمضمض واستنشق , ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى , ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى ; وذكر الحديث. فأخبر في هذا الحديث أنه أدخل يده الإناء قبل أن يغسلها} , وهذا يدل على أن غسل اليد قبل إدخالها الإناء استحباب ليس بإيجاب وأن ما في حديث علي وحديث أبي هريرة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء ندب , وحديث أبي هريرة في ذلك ظاهر الدلالة على أنه لم يرد به الإيجاب وأنه أراد الاحتياط مما عسى أن يكون قد أصابت يده موضع الاستنجاء , وهو قوله: {فإنه لا يدري أين باتت يده} فأخبر أن كون النجاسة على يده ليس بيقين , ومعلوم أن يده قد كانت طاهرة قبل النوم , فهي على أصل طهارتها , كمن كان على يقين من الطهارة فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الشك أن يبني على يقين من الطهارة ويلغي الشك ; فدل ذلك على أن أمره إذا استيقظ من نومه بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء استحباب ليس بإيجاب. وقد ذكر إبراهيم النخعي أن أصحاب عبد الله كانوا إذا ذكر لهم حديث أبي هريرة في أمر المستيقظ من"
(1) سورة المائدة، آية: (6) .