كذلك أيضًا ظهر فقه الإمام الترمذي-رحمة الله عليه- في هذا الكتاب المبارك حينما سرد لنا مذاهب العلماء فتجده إذا انتهي من الحديث يُبيِّن من الذي يقول بهذا الحديث ، وقد يُبيِّنُ القائلين بهذا الحديث من الصحابة والتابعين وتابع التابعين ، وكذلك من الأئمة الأربعة-رحمة الله على الجميع- . لم يقف عند سرِد الأحاديث كما هو موجودٌ في بعض كتب الأحاديث ولكنه يُبين من الذي عَمِل بهذا الحديث ، وقد يُبيِّنُ من الذي ردَّه لوجودِ مُعارضٍ أرجح في نظره من هذا الحديث إمَّا دليلُ كتابٍ أو دليلُ سُنَّةٍ أو هما معًا ، فجمع-رحمه الله- بين علم الحديث روايةً وعلمه درايةً ، وإنك والله لتعجب إذا نظرت إلى فقه الترمذي سواءً في تراجمه ، أو إلى فقهه عند سرْده للمذاهب وسعةِ اطلاعه على أقوال الأئمة والفحول والجهابذة -رحمة الله عليهم أجمعين- فإنَّه يذكر-رحمه الله- في تراجمه أمورًا دقيقة ، وسنُبِيِّنُ -إن شاء الله - عند ذكرنا لهذه الأبواب بعض هذه النكات اللطيفة التى تدل على عمق فهمه، فإنه في بعض التراجم لا يستطيع أن يُجاوز لفظ الحديث قليلًا ولا كثيرًا.. يتقيَّدُ باللفظ الوارد عن رسول الله-?- في انتزاعه للحكم بخلاف ما يُبتلى به البعض من تعميم الحديث أكثر مما هو عليه، فقد يكون المعنى الذي دلَّ عليه الحديث مُتوقِّفًا عندحدٍّ يُجاوزه المترجِمُ بالتعميم وتوسعةِ المعنى المنتزَع من النص ولم يكن الترمذي-رحمة الله عليه- من أهل هذا بل إنه غلب عليه جانب الورع والأمانة والدقة والتحفظ .
وعند دراستنا لهذا الكتاب- إن شاء الله تعالى - سنتعرَّض لأمورٍ مهمة يحسُن التنبيه عليها ، وأكثرها وأهمُّها يتعلق بالأحكام الشرعية وهو باب الفقه .
والفقه مسائله تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مسائل أجمع العلماء-رحمة الله عليهم- عليها .
والقسم الثانى: مسائل وقع الخلاف بينهم فيها .