القومُ كانوا أقرب ما يكونون إلى الصلاح ، وهُم أهل خير واستقامةٍ وفلاح ، غضيضهٌ عن الشرِّ أعينُهم ،ثقيلةٌ عن الباطل أرجُلهم أنضاءُ عبادةٍ وأطلاح سَهَر أئمة مُلِئت قلوبهم بحُبّ الله- ?- وحب رسول الله-?- فلا يمكن أن يُفرِّطوا في الحرف الواحد من كلام رسول الله-?- فلمَّا رأي جلالة الترمذي أثنى عليه بهذا الثناء العظيم ، وقال له: ما رأيتُ مثلك !! ثُمَّ أقبل عليه وحدَّثه بما شاء الله أن يُحدثه .
كان الإمام الترمذي في منزلةٍ عظيمةٍ من الفضل والنُّبْل والعبادة والصلاح ذكروا أنَّه وُلد بصيرًا ولكنَّه فقد عينيه وكان سبب ذلك كثرةُ بكائه -رحمة الله عليه- فأُثنِى عليه في الزهد وأُثنِى عليه في العبادة والاستقامة وليس ذلك بغريب على من حفظ سُنَّة رسول الله-?- فإنَّ الغالب في الإنسان إذا حفظ كتاب الله وحفظ سُنَّة رسول الله-?- حِفْظ الواعى المتأمِّلِ المتبصِّرِ فإن الله-?- ينفعه بهذا الوحى ، ويكسر قلبه له-?- ولا يجعل الله هذا النور - في الغالب - في قلب أحدٍ إلا و يُريد به الخير، ويُريد به الرحمة والسداد .
ألَّف الإمامُ الترمذي هذا الكتاب العظيم والسِّفرَ المبارك ، فعرضه على أئمة الحديث ودواوين العلم في الحجاز،وكان الحجاز يومئذٍ- في القرن الثالث - لازال قريبًا من عصور النبوة مليئًا بالعلماء والأئمة ودواوين العلم والفضل عرض كتابه عليهم فأثنوا عليه ، ثُمَّ عرضه على الأئمة في العراق فأثنوا عليه ، ثُمَّ على الأئمة في خُراسان فأثنوا عليه .
وكان يقول-رحمه الله- عن كتابه: ومن كان في بيته - أي هذا الكتاب - فكأنَّما في بيتهِ نبىٌّ يتكلَّم !!.
جمع اللهُ للترمذى -رحمة الله عليه- في كتابه هذا بين أمرين قلَّ أن يجتمعا في كتابٍ:
الأمر الأول: هو الرواية لحديث رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- مع التمحيص والضبط وكشف ما بالأسانيد والآثار والأخبار من عِلَلٍ وأقوالٍ للعلماء-رحمهم الله- من جرْحٍ وتعديلٍ .