الاتجاه الثاني: هو أنه ينظر في مناسبة المشقة للتخفيف. وأن المرض يبيح الفطر إذا كان الصوم معه يجعل الصائم في حرج زائد عن أصل المشقة الحاصلة مع العبادة. وهذا هو اتجاه الطبري كما قدمناه عنه وهو ما يرجحه معظم المفسرين. يقول ابن كثير: معناه ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه فله أن يفطر فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره من الأيام، ولهذا قال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) أي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه في حق المقيم والصحيح تيسيرا عليكم ورحمة [1] .
ويقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: وقد اختلف الفقهاء في تحديد المرض الموجب للفطر, فأما المرض الغالي الذي لا يستطيع المريض معه الصوم بحال بحيث يخشى الهلاك فلا خلاف بينهم في أنه مبيح للفطر، بل يوجب الفطر. وأما المرض الذي دون ذلك فقد اختلفوا في مقداره، فذهب محققو الفقهاء إلى أنه المرض الذي تحصل به مع الصيام مشقة زائدة على مشقة الصوم للصحيح من الجوع والعطش المعتادين، بحيث يسبب أوجاعا أو ضعفا منهكا أو تعاوده به أمراض ساكنة، أو يزيد في انحرافه إلى حد المرض أو يخاف تمادي المرض بسببه. وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي على تفاوت بينهم في التعبير. وأعدل العبارات ما نقل عن مالك لأن الله أطلق المرض ولم يقيده، وقد علمنا أنه ما أباح للمريض الفطر إلا لأن لذلك المرض تأثيرا في الصائم [2] .
وقد عقد شهاب الدين القرافي فرقا بين المشقة التي تربو عن المعتاد في التكليف فيتبعها التيسير، والمشقة التي هي من طبيعة العبادة المكلف بها وهي لازمة للتكليف فلا يشرع الإذن في التخفيف من أجلها. يقول: المشاق قسمان: أحدهما لا تنفك عنه العبادة كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في الجهاد، فهذا قسم لا يوجب تخفيفا في العبادة لأنه قرر معها.
وثانيها المشاق التي تنفك عن العبادة وهي ثلاثة أنواع: ما كان منها في الرتبة العليا كالخوف على النفس أو العضو، فهذا يوجب التخفيف. لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة، ولو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة، ونوع في المرتبة الدنيا كأدنى وجع في إصبع فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة هذه المشقة. النوع الثالث مشقة بين هذين النوعين فما قرب من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا لم يوجبه، وما توسط بينهما يختلف فيه لتجاذب الطرفين.
(1) ... تفسير ابن كثير ج 1 ص 216.
(2) ... التحرير والتنوير ج 2 ص 162.