ذهب القرطبي في تفسيره إلى ترجيح الإذن في الفطر بأقل ما ينطلق عليه اسم المرض. يقول: قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال البخاري: اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت: نعم. فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. قال: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج، قال قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى (فمن كان منكم مريضا) قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق [1] .
واعتمد قول ابن سيرين سيد قطب إذ يقول: وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد. فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم. وهذا هو الأولى في فهم هذا النص القرآني المطلق، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومنع الضرر. فليست شدة المرض ولا مشقة السفر هي التي يتعلق بها الحكم، إنما هي المرض والسفر إطلاقا لإرادة اليسر بالناس لا العسر. ونحن لا ندري حكمة الله كلها في تعليقه بمطلق المرض ومطلق السفر .... وما دام الله لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها، ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها، فوراءها قطعا حكمة، وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها. بل لابد أن يكون الأمر كذلك. ومن ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم [2] .
وكما ذكر الإمام الطبري هناك اتجاهان: الاتجاه السيريني الذي يرجح الأخذ بالرخصة إذا وجد ما يطلق عليه مرض أثر في الصائم أو لم يؤثر.
وملحظ هؤلاء أن الله أمر بالصوم فعلى المؤمن أن يذعن لأمر ربه ويقوم بالواجب، ورخص للمريض أن يفطر رحمة منه وتوسعة، فمن سوء الأدب مع الله أن يعرض المؤمن عما تفضل به عليه ربه من التيسير, ليظهر بمظهر القوي المستغني عن الألطاف الإلهية.
كما يبدو لي من ناحية ثانية: أن الله جمع بين السفر والمرض، والمسافر أذن له في الفطر بإجماع العلماء سواء أصحب سفره مشقة أم لا. وشأن المتناسقين في الذكر أن يستويا في الحكم. وقد قال الفقهاء: إن السفر من باب التعليل بالمظنة، مؤكدين أن حصول انتفاء المشقة لا يرفع حكم الترخص. فملاحظة هذا الجانب تُرجح عندهم أيضا الفطر بأدنى مرض.
(1) ... أحكام القرآن ج 2 ص 277.
(2) ... في ظلال القرآن ج 2 ص 75/ 76.