الصفحة 16 من 17

صدقه وخبرته، فإذا شرح له مستوى مرضه وما يترتب على صيامه من أخطار، وحصل عنده ظن قوي بصدقه وأمانته، فله أن يعتمده وهو غير آثم إذا أخذ بالرخصة وأفطر. وأعتمد في هذا على نظير لذلك، وهو ما شرعه الله للمسافر عند كثير من العلماء أن يُشهِد على وصيته غير المسلمين إذا حضره الموت و لم يجد حوله من يتحملها من المسلمين العدول. قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} [1] .

يقول الشيخ ابن عاشور: (معنى منكم) من المؤمنين .... وعلى هذا درج جمهور المفسرين، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والأئمة الأربعة. وهو الذي يجب التعويل عليه، وهو ظاهر الوصف بكلمة (منكم) في مواقعها في القرآن.

ويترتب على هذا التفسير أن يكون معنى مقابله > أنه من غير ملتكم. فذهب فريق ممن قالوا بهذا التفسير إلى إعمال هذا، وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصة. وخصوا ذلك بالذمي. . وهو قول أحمد والثوري، وسعيد بن المسيب، ونسب لابن عباس، وأبي موسى. وذهب فريق إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ونسب إلى زيد بن أسلم [2] .

وناقش ابن العربي من ادعى النسخ بأن سورة المائدة من آخر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، وأن النسخ لا يصار إليه إلا مع التعارض، ولا تعارض بين آية الوصية وآية الدين [3] .

ونظير هذا أيضا ما ذكره النظار من الفقهاء وأول ما رأيته لابن عبد السلام , ثم انتشر تأييد هذه الفتوى في جميع الأعصار بعده , وهي كما يقولون أنه إذا فسد الزمان [4] تبعا لعوامل متعددة و انحل المجتمع الإسلامي، وصعب على من يريد أن يوثق حقوقه بالشهادة، صعب عليه أن يجد العدل الرضا، فإنه يشهد مستور الحال في التحمل , ويعتمده القاضي عند أداء شهادته بين يديه ويحكم بها، مع أن الآية صريحة في اشتراط العدالة < وأشهدوا ذوي عدل منكم - ممن ترضون من الشهداء.> لأنه في هذه الحالة لو وقفنا عند منطوق الآية لضاعت حقوق الناس وتعطلت مصالحهم. واشتراط العدالة والرضا هو من أجل الحفاظ على حقوق البشر. فهذا المقصد

(1) ... المائدة: 107.

(2) ... التحرير والتنوير ج 7 ص 85.

(3) ... انظر بقية كلامه ج 6 ص 350 الجامع لأحكام القرآن.

(4) ... أي ضعف التمسك بالدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت