إن المرض سبب من أسباب الرخصة و تخفيف التكليف لأنه يضعف البدن عن القيام بما هو المطلوب شرعًا.
فالمريض إما لا يقدر على أداء التكليف أو يؤديها مع تحمل مشقة شديدة ولما كان المرض لا ينافي أهلية الوجوب فيبقى الحكم التكليفي واجبًا عليه وإنما يخفف عنه بسبب ضعف القدرة وإصابة المرض.
و قد وردت آيات في القرآن الكريم تدل على رفع الحرج عن المريض في عبادات مختلفة ففي الصيام قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيْضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّامٍ أُخَرَ، وَعَلَى الَّذِيْنَ يُطِيْقُوْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِيْنٍ} (البقرة: 184)
وفي الحج قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيْضًا أوْ بِهِ أذىً مِّنْ رَّأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ} (البقرة: 196)
وفي الطهارة قوله تعالى: {وَإنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى~ أوْ عَلَى سَفَرٍ أوْ جَآءَ أحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَآئِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوْا مَآءً فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوْا بِوُجُوْهِكُمْ وَ أيْدِيْكُمْ، إنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُوْرًا} (النساء: 43)
وفي سياق الجهاد قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يُنْفِقُوْنَ حَرَجٌ} (التوبة: 91)
في جميع هذه الآيات جعل المرض سببًا للرخصة في أداء الواجب و رفع الحرج.
و قد تبين أن الشرع أباح للمريض أن يستفيد من الرخصة الممنوحة له بسبب العلة القائمة به فيترك الصوم مع شهود الشهر و يؤخره لأيام أخر حيث يقضيه بعد شفائه و برئه من المرض حيث أن الفقهاء قد قرروا في ضوء النصوص الواضحة من القرآن والسنة أن المريض إذا خشي من الإتيان بالمطلوبات الشرعية على وجهها ضررًا من ألم شديد أو زيادة مرض أو تأخر برء أو فساد عضو أو حصول تشويه فيه فانه يعدل إلى الأحكام المخففة. [1]
فالمرض المبيح للفطر هو الذي يشق معه الصوم مشقة شديدة أو يخاف الهلاك منه إذا صام، أو يخاف بالصوم زيادة المرض أو بطء البرء و تأخره.
فإن لم تكن المشقة شديدة ولم يتضرر الصائم بالصوم كمن به جرب أو وجع أصبع لم يبح له الفطر.
والصحيح الذي يخاف المرض أو الضعف بغلبة الظن بأمارة أو تجربة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم مستور العدالة كالمريض عند الحنفية، والصحيح الذي يظن الهلاك أو الأذى الشديد كالمريض عند المالكية، وليس الصحيح كالمريض عند الشافعية والحنابلة.
(1) قواعد الأحكام لابن عبد السلام 2/ 12، فتح القدير 2/ 79، فتح الباري 8/ 179.