الصفحة 9 من 18

والحجج ما يمكنّه من الرد بالقول والبرهان دونما انفعال لأن الإنفعال يؤشّر إلى ضعف الحجة، وقلة الحيلة العلمية، وإلى النقص في المعارف.

وهناك طرح مفيد لأحد العلماء المعاصرين يقول فيه:"إن القرآن يطرح الفكر المضاد من موقع الثقة بفكره، بحيث يختزن في داخله الإيحاء بقدرته على مواجهة ذلك الفكر على مدى التاريخ، فلا يخاف من أية سلبية تتصل بشخصية الرسول، أو مسألة القرآن لأنه يملك العناصر المتحركة في مقابل ذلك."

وهكذا هي المسألة، في أي فكر يطرح نفسه لقيادة الحياة فإن إحساسه بالقوة يجعله بعيدًا عن عملية اضطهاد الفكر الآخر، لأن الإضطهاد يتحرك من موقع ضعف وخوف من قوة الآخر، لا من موقع إحساس بالقوة، لأن الفكر يواجه الفكر بوسائله لا بالوسائل المادية الضاغطة." [1] "

يوجه هذا الكلام المسلم إلى واجب هو تحصيل المعارف والعلوم، وامتلاك الحجج كي يتمكن من مناظرة الآخرين إظهارًا للحقيقة، ومن مجادلتهم بالتي هي أحسن كي يستميلهم، ويستقطبهم إلى دائرة الإسلام، وكلما كان مخزونه المعرفي غنيًا كان المسلم أكثر قوة وقدرة على التعبير، وبالتالي فحرية التعبير تحتاج هذه المقومات وغيرها كي تكون في الطريق السليم.

وحرية التعبير ضرورة للفرد والمجتمع، وواجبة على صاحب المسؤولية ومن يملك الإمكانات لأن من يسكت عندما يكون الموقف حاجة، ومن يصمت وهو قادر على جلاء حقيقة، أو رفع تهمة، أو إزهاق باطل يكون آثمًا لذلك نقول: إذا كان هناك من قال: التفكير فريضة، فإننا نقول بالمقابل: إبداء الرأي فريضة، وإشهار الحقيقة فريضة؛ أي التعبير الحر فريضة.

تأسيسًا على ما تقدم يكون الموقف في حرية التعبير هو:"إن حرية الرأي ليست حقًا للمرء فقط بل هي واجبة عليه، فالإسلام يعطيني هذا الحق وفي الوقت نفسه يحمّلني واجبًا هو أن أستغل هذا الحق ولا أعطّله. وحرية الرأي ليست من نوع الحقوق التي تبيح لصاحبها أن يستخدمها أو لا يستخدمها ... فلا يجوز لصاحب هذا الحق أن يوقف استخدامه أو يعطله، فتعطيله فيه مساس بالصالح العام للمسلمين، فمن لا رأي له تجاه قضايا المسلمين وأمورهم يعد بمصداقية حديث رسول الله غير مسلم، وتسقط عنه عضوية الجماعة المسلمة والإنتساب إليها." [2] والحديث المشار إليه هو:"من لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم."

بناء عليه يكون التعبير عن الرأي في مسألة ما، أو إعلان الموقف حول أمر أو نازلة من النوازل واجبًا على الإنسان المسلم لأن من يكتم حقًا يعرفه يكون قد فتح طريق الباطل. قال الله تعالى: {ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون.} [3]

(1) ... فضل الله، السيد محمد حسين، تأملات في الفكر السياسي الإسلامي، طهران، كتاب التوحيد، الصادر عن مجلة التوحيد، ط 1، سنة 1416 هـ- 1995، ص 58.

(2) ... مصطفى، د. محمد يوسف، حرية ارأي في الإسلام، القاهرة، مكتبة غريب، سنة 1989 م، ص 39.

(3) ... سورة البقرة، الآية 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت