لكن حق التعبير هذا له ضوابط وآداب تحفظ حقوق الآخرين وتؤمن لهم الحماية المعنوية كما أمّنت للمتحدث حرية التعبير. من الضوابط الأساسية أن حق التعبير مضمون لمن كان صادقًا وفي كلامه لأن الصدق ضمانة للفرد والمجتمع، والكذب فجور لا تًحمد نتائجه. وقد جاء الحديث النبوي الشريف مبينًا أهمية الصدق في القول، وفيه:"عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنّة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا." [1]
إذن تكون حرية التعبير حقًا للشخص لكن بشرط أن يصدق ويتحرى الصدق، ولا حرية للكذّاب لأن تعبيره الكاذب يلقي أهل المجتمع في مستنقعات الفجور، ومهاوي الخطر.
ويأتي بين ضوابط حق التعبير وحرية إبداء الرأي ضوابط قيمية أخلاقية تؤمن حق الكرامة لكل الناس، فلا سخرية من أحد، ولا قال أو قيل، ولا تفاخر بالألقاب والأنساب، وقد حددت ذلك الآية الكريمة: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون.} [2]
فالإنسان الذي تكون له حرية التعبير لا حقّ له بأن يعيّر سواه، أو يفاخره، أو يعيب عليه لإسم أو نسب أو أي موقع، ولا يحق له أن يهزأ من غيره فما الذي يدريه ما قدر ومكانة من يسخر منه، ولو أن هذه الضوابط اعتمدت في أساليب التعبير لارتاح مجتمع الأمة من كثير من المشكلات.
كما أن المسلم المأمور بالدعوة، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عليه عندما يخاطب غير المسلمين أن يلزم آداب الحوار والخطاب، وقواعد حق التعبير فلا يتناول معتقدات الآخرين وشعائرهم بسوء كي لا يردّوا عليه فيكون ذلك سبيلًا لهم للتطاول على الذات الإلهية أو على الإسلام. قال الله تعالى: {ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدوًا بغير علم} [3] فالمسلم الذي يسبّ أصنامًا أو أوثانًا أو مظاهر طبيعية يعبدها بعضهم يكون قد استدرجهم الى التفوّه بكلمات وألفاظ غير مقبولة بحق الله تعالى، ويكون السبب ما قاله وعبّر به هذا المسلم.
إن الحوارات التي وردت في النصوص القرآنية، والتي تناولت أمورًا عديدة منها ما كان في العقيدة، ومنها ما كان حول النبوة، ومنها ما كان حول أمور حياتية تشريعية، وفي كل ذلك كنّا نجد النص القرآني يعرض عقائد الآخرين وأطروحاتهم، ومن ثمّ يأتي دور الرد والتنفيد، وما ذلك إلا دليل قوة وثقة، وبالتالي فإن واجب المسلم ألا يخاف فكر مضادًا، أو أباطيل وترّهات يقولها بعضهم لأنه يملك من قوة الإيمان، وبلاغة البيان،
(1) ... حديث متفق عليه، وأخرجه النووي في رياض الصالحين، باب: في الصّدق.
(2) ... سورة الحجرات، الآية 11.
(3) ... سورة الأنعام، الآية 108.