الصفحة 7 من 18

"أخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطّرد عندها في كل أمر يعرض، يقولها: {ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون.} فكيف هذه النازلة الكبرى، فراجعها الملأ بما يقرّ عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثمّ سلّموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة حسنة من الجميع ... في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر.} [1] ، إما إستعانه بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله: {وأمرهم شورى بينهم.} [2] ، والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون} لتختبر عزمهم على مقاومة عدوّهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضاءهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدّهم كان ذلك عونًا لعدوهم عليهم." [3]

فالشورى مع حرية إبداء الرأي، وحرية التعبير ولدت الثقة بين بلقيس وقومها فارتاحوا للأمر، وأبلغوها بقدراتهم وطاقاتهم على المواجهة، وهذا أمر في الإسلام جاء القرآن الكريم يبينه ليكون تعلميًا لكل حاكم ولكل ذي مسؤولية، وأنه عليه توليد مناخ من حرية الرأي مع الشورى كي يندفع قومه لمواجهة النوازل والإستحقاقات، وهذه من محاسن إشاعة جو حرية التعبير، وبدونها تختلف الأمور، وتكون النتائج غير مرضية.

والشورى ينبني عليها أمر النصح، وفي الحديث النبوي الشريف:"عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم." [4] وأئمة المسلمين هم الأمراء والحكام والعلماء؛ أي المتقدمون في الناس.

وهذه النصيحة لا يقدمها إلا من شعر بالأمان عند الكلام وأن له حق التعبير، ولا يسمع النصيحة إلا من آمن بحق سواه في إبداء الرأي حيال ما يفعل أو يقول. وقبل الحديث والسّنّة النبوية جاء القرآن الكريم يرسخ هذه القاعدة؛ قال الله تعالى: {وأنصح لكم.} [5] و {وأنا لكم ناصح أمين.} [6]

إن النصيحة لا يقدمها إلا إنسان يتمتع بحق التعبير عما في فكره بحرية ولا يقبلها الطاغية والمتسلط، وإنما من يؤمن بحق الآخرين في حرية التعبير.

تدل محطات كثيرة في السّنّة النبوية مع القرآن كيف كان حق التعبير مضمونًا لكل إنسان مسلمًا كان أم غير مسلم، وما من إنسان يحاسب لأنه أعرب عما يدور في خلده.

(1) ... سورة آل عمران، الآية 159.

(2) ... سورة الشورى، الآية 38.

(3) ... القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، م. س.، ج 16، ص 154.

(4) ... أخرجه مسلم في الصحيح، وأخرجه الت\نووي في رياض الصالحين في باب النصيحة.

(5) ... سورة الأعراف، الآية 62.

(6) ... سورة الأعراف، الآية 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت