كما أن الحرية الدينية في الأصل القرآني مؤمنة لكل شخص كي يبدي رأيه عند المجالس الشوريّة، وليقدم النصح حين يكون ذلك مطلوبًا.
الشورى لا تكون دون مناخ من الحريات، وإلا لا جدوى منها إن رُفعت شعارًا وكان القمع سائدًا، فلا شورى بلا حرية، وإذا كانت الشورى أصل راسخ في الإسلام قرآنًا وسنّة فإن الحرية ملازمة لها. ولولا ذلك لما كانت إحدى السور بهذا الإسم:"سورة الشورى". وللتأكيد على مكانة الشورى فقد وردت في آية من السورة، وموقعها بين ركنين من أركان الإسلام هما الصلاة والزكاة. قال الله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون.} [1]
وقد جاء عن أحد المعاصرين عرض جميل للإرتباط بين الشورى والحرية، فيما يلي:"إن بناء مجتمع الشورى في الإسلام يبدأ من الفطرة الإنسانية، حيث يولد الأفراد أحرارًا، يملكون مصيرهم ويمارسون حرياتهم الذاتية لكنهم في إطار المجتمع يتشاورون في ما بينهم في جميع شؤونهم العامة، وخاصة ما يتعلق بإقامة سلطة تمثّلهم فالحرية في الإسلام فطرة سابقة على السلطة التي يكون الوصول إليها عن طريق الشورى، والشورى قناة تصل الحريات الفطرية المحركة للفرد بالسلطة المنظمة للمجتمع، وتحفظ التوازن بينهما، فالفرد كالمجتمع كلاهما عنصر أساسي في الشورى لا يمكن تجاهله أو إذابته من أجل العنصر الآخر." [2]
التعبير من خلال الشورى هو الذي يؤكد أن الإنسان حرّ يقول ما يريد قوله، وكلامه موجه للفرد والمجتمع بتوازن حيث التعبير الجماعي يراعي التعبير الفردي والعكس صحيح.
وقد جاء النص القرآني يبيّن ذلك في أكثر من موقع منها قصة بلقيس مع قومها حيث جاء النص حوارًا بلسانها ولسان قومها في قوله تعالى: {قالت يا أيّها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون * قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلًة وكذلك يفعلون.} [3]
لقد دار الحوار هنا من منطلق الشورى فبلقيس تعطي الحرية لقومها كي يقولوا رأيهم، ويقرروا وهي ستقبل ما يشيرون به، والقوم يصفون حالتهم وإمكاناتهم، ويفوضون الأمر لها لتقرر ما تراه مناسبًا، وبلقيس قدمت لهم ما يجعلهم يقبلون بأن تذهب إلى سليمان عليه السلام لأن ترك الأمر حتى يدخل بلادهم مع جنده قد تجلب لهم الذّل. هكذا كان الحوار وتبادل أسس حقّ الإختيار، وهو شكل من أشكال الشورى.
أما تفسير القرطبي فقد ذهب إلى ما يؤكد الإتجاه نفسه في عرض معاني هذه الآيات من سورة النمل، وجاء عنده:
(1) ... سورة الشورى، الآية 38.
(2) ... الشاوي، د. توفيق، فقه الشورى والإستشارة، المنصورة (مصر) ، دار الوفاء، ط 2، سنة 1412 هـ - 1992 م، ص 301.
(3) ... سورة النمل، الآيات 32، 33، 34.