إن حقّ التعبير إذن هو حقّ من جهة صاحبه، وهو واجب من جهة مصلحة المجتمع والناس كافة، وهذا أمر يجعل هذا الأمر أمر حرية التعبيرمن الأمور المهمة، والتي تلعب دورًا أساسيًا في التصحيح و إظهار الحق، وبيان الحقيقة، ونشر الصلاح، وقول كلمة الحقّ شكل من أشكال الجهاد في المفهوم الإسلامي لأن الجهاد قول مبني على القناعة، وموقف فيه جرأة يتبع ذلك فعل وتنفيذ.
يبقى أمر يحتاج موقفًا هو ظهور مواقف إلحادية أو فيها أباطيل وتجديف، أو هي مفتريات ضدّ الإسلام فإن هذه الموضوعات إذا تمت مواجهتها بالحظر والحملات الإعلانية والإعلامية، أو بإصدار فتاوى متسرِّعة قد تحولها إلى أمور مطلوبة، ويتهافت القرّاء، أو الفضوليون على السعي للحصول عليها. وهناك إشارة قرآنية في ضرورة الإعراض عن الجاهلين، وعدم الرد على خطابهم، وذلك في قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا.} [1]
إنّ الكتاب أو المطبوعة التي يصدر بحقها حظر تصبح مطلبًا، وفي ظروف الضغط انتشرت أفكار كثيرة ما كان لها أن تنتشر بهذه القوة لو تمّ التعامل معها بالإهمال والترك، أو لو تمت مواجهتها بهدوء دون ضجيج، وقال أحد المعاصرين في هذا الموقف:"إن أفضل طريقة لمحاربة أي فكر هي إهماله وممارسة أجواء اللامبالاة تجاهه، مع محاولة ردّه بطريقة هادئة عندما تكون هناك حاجة للرد، باعتبار أن كثيرًا من الناس قد لا يسمعون به، أو لا يعرفونه، فلا يثير لديهم أي تساؤل أو اهتمام فضلًا عن الردّ والمواجهة." [2]
يحتاج هذا الموضوع إلى التمييز بين عدّة أوجه لمثل هذا الموقف هي:
1 -الخطاب الدعوي: والتعبير فيه واجب لما مضى في هذا البحث وهو في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير .... الآية} ، وهنا الواجب أن يكون التعبير الدعوي لينًا مقرونًا بالحكمة، والكلام الذي يطيّب نفس المتلقي ويستميله ولا يصحّ أن يكون الكلام فظًا ينفر الناس، وقد جاء البلاغ الإلهي في الأمر لموسى وهارون عليهما السلام بأن يتوجها إلى فرعون الطاغية بالقول اللين علّ ذلك يؤثّر في نفسه، ويجلبه إلى عقيدة التوحيد، وفي قوله تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنّه طغى. فقولا له قولًا قولًا ليّنًا لعله يتذكر أو يخشى.} [3]
وإذا كان الخطاب الليّن مطلوبًا مع فرعون فإن هذا تذكير لبعض القساة المتنطعين الذين يعتمدون التعنيف والتنفير مع المسلم الذي لا يوافقهم الرأي أو الموقف الفقهي، وهؤلاء لا يصلحون لمخاطبة المسلم فكيف يكون الحال لو خاطبوا غير المسلم.
2 -الخطاب المقاوم: وهذا يكون في حالة العدوان على الأمة، وهنا لا بدّ من التعبئة والتحريض تمهيدًا لحشد الطاقات من خلال صناعة الرأي العام الذي يستشعر خطر العدوان أو الإحتلال للأرض والمقدسات، وفي الوقت عينه يحضّ الخطاب أهل الأمة على القيام بالواجب الدفاعي والمقاوم كلّ حسب موقعه وإمكاناته دونما حسابات
(1) ... سورة الفرقان، الآية 63.
(2) ... فضل الله، السيد محمد حسين، م. س.، ص 61.
(3) ... سورة طه، الآيتان 43، 44.